سهيلة عبد الباعث الترجمان
231
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بكليّ ولا جزئي ، ولا خاص ولا عام ، ولا واحد بالوحدة الزائدة على ذاته « 1 » . إنما هو الوجود الذاتي الواجب الذي لا يقبل العدم لا أزلا ولا أبدا ، ويكفي المكلف أن يعرف أنه تعالى موجود وجودا ، ولا يجب أن يعرف أن وجوده تعالى عين ذاته أو غير ذاته لأن ذلك من غوامض علم التوحيد . ولما كان هذا معنى الوجود لدى أصحاب الفكر والذوق ، فما مفهوم الوجود لدى ابن عربي ؟ يضع ابن عربي تساؤلات عديد حول الوجود يوردها في رسائله القصيرة فيقول في رسالة الانتصار : هل هذا الوجود هو وجود الذات نفسها أو غيرها ؟ هذا الوجود هل هو من الوجود الذي يصحّ بعده الرجوع ؟ هذا الوجود هل يبقى معه رسم أم لا ؟ هذا الوجود هل هو وجود مكاشفة أو هو وجود مشاهدة ؟ هذا الوجود هل هو من مدركات السرّ خاصة أم لا « 2 » ؟ فهذه التساؤلات التي تعبّر عن روح مذهبه في الوجود وطبيعته ، وما يتضمنه من مفهوم يتعلق بوجود الذات ، والسبيل إلى إدراك هذا الوجود بالمكاشفة أو المشاهدة عن طريق القلب الذي وسع العلم الإلهي بعد أن صفت النفس وبلغت درجة عالية من الشفافيّة الروحية بعيدا عن أدران المادة وشوائبها ، فكلها موضوعات فوق طور العقل ، لا دخل له في الإجابة عليها ويعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل ، وهذا ما جعل ابن عربي وغيره من أصحاب وحدة الوجود يلجأون إلى استخدام الرمز والإشارة للتعبير عن مواجيدهم وتصوير مشاعرهم وأذواقهم في حالات وجدهم ، فاستغلقت مفاهيمه على غيرهم ضنا بعلمهم على غير أهله وحرصا عليه من انكشاف أمره ، ويقول ابن الخطيب في هذا الصدد : " وينفرد بسرّ الوجود المكتوم من بلغ درجة العارفين ، وهم أهل التحقيق ، والتحقيق يطلقونه على هذا العلم ، وأن العلماء باللّه ومن فوقهم أنبياء اللّه ورسله وأوليائه علموه وخصّوا به من رأوه أهلا له ، ودعوا الخلق إلى اللّه من باب التلبيس والحجب لقصر عقولهم عن ذلك " « 3 » .
--> ( 1 ) يحيى ( عثمان ) ، نصوص تاريخية خاصة بنظرية التوحيد ، مرجع سابق ، ص 237 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الانتصار ، ( رسائل ) ، الجزء الثاني ، ص . ص 13 - 14 . ( 3 ) ابن الخطيب ( محمد بن عبد اللّه ) ، لسان الدين ، روضة التعريف ، مرجع سابق ، تحقيق عطا ، مصر ، ص 606 .