سهيلة عبد الباعث الترجمان
223
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أولا : مفهوم التوحيد ومعنى الوجود عند ابن عربي : يعتبر التوحيد مفهوما دينيا وهو جوهر العقيدة الإسلامية وعينها وركيزتها الأساسية . فما التوحيد عند ابن عربي وما صلته بالوجود ؟ . عرّف ابن عربي التوحيد « 1 » وحدد معالمه لدى أصحاب الأذواق والمواجيد ، مستندا في ذلك إلى آيات من القرآن الكريم درج الصوفية على استخدامها في إثبات نظرياتهم وإقرار مذاهبهم ، فجعل من التوحيد علما ثم حالا ثم علما . كما حدد معنى كل علم فقال : " التوحيد علم ثم حال ثم علم ، فالعلم الأول توحيد الدليل ، وهو توحيد العامّة ، وأعني بالعامة علماء الرسوم ، وتوحيد الحال أن يكون الحق نعتك فيكون هو لا أنت في أنت ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 2 » . والعلم الثاني بعد الحال توحيد المشاهدة ، فترى الأشياء من حيث الوحدانية ، فلا ترى إلّا الواحد ، وبتجلّيه في المقامات يكون الوجدان ، والعالم كله وجدان ، ينضاف بعضها إلى بعض يسمى مركبا ، يكون لها وجه في هذه الإضافة يسمى أشكالا ، وليس لغير هذا العالم هذا المشهد " « 3 » . لقد شرح ابن عربي حقيقة علم التوحيد وبيّن مرتبته من المعرفة ، وخطورة إفشاء سره بأنه كفر ، فهو غير مقبول من العامة لقصور أفهامهم عن إدراك حقيقته ، وقد أشار إلى ذلك برسالة إلى الفخر الرازي حول ضرورة تكتّمه على سرّ الوحدانية بقوله : " وحقيقة علم التوحيد باطن المعرفة ، وهي سبق المعروف إلى من به تعرّف بصفة مخصوصة لحبيب مقرّب مخصوص ، لا يسع معرفة ذلك الكافة ، وإفشاء سرّ الربوبية كفر ، وقال بعض العارفين من صرّح بالتوحيد وأفشى سرّ الوحدانية فقتله أفضل من إحياء عشرة " « 4 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب التجليات ، رسائل ابن عربي ، الجزء الثاني ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1938 م ، ص 27 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 17 م . ( 3 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 27 . ( 4 ) ابن عربي ، رسالة الشيخ إلى الإمام الرازي ، مصدر سابق ، ص 10 .