سهيلة عبد الباعث الترجمان
219
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أن هناك فارقا كبيرا بين التجلي عند المتصوفة والفيض عند الفلاسفة ، ومن ثمّ فلا أثر للفلاسفة على تصوف ابن عربي خاصة مذهبه في وحدة الوجود . كذلك فإن ما نسب إلى ابن عربي من أنه ممثل الفلسفة الإشراقية لمدرسة ابن مسرّة لا يصدق على واقع ابن عربي ، إذ أن الفلسفة الإشراقية تقول بنظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية ومانوية « 1 » . كذلك الإشراق يقوم على الفيض لأن الأنوار تفيض من مصدر أساسي لها هو النور الإلهي ، فتكون نتيجة لهذا الفيض النوراني عن الذات « 2 » ، وفيض الأنوار غير التجلي عند الصوفي . ولا شك أن تفصيل الفيوضات الإشراقية عند السهروردي وجعلها في مراحل متتابعة له غاية صوفيّة . . . ، وذلك استمرارية للفلسفة اليونانية بالصورة الأفلاطونية الملفقة مع تيارات أخرى « 3 » ، فتكون الفلسفة الإشراقية بهذا الاعتبار بعيدة عن تصوف ابن عربي ، لأن التجلي لديه لا يتم في مراحل متتابعة كالفيوضات ، إذ يترتب على الصوفي العكوف على مراقبة قلبه عند باب ربه حتى يفتح اللّه له الباب إليه ، ومن هنا فإن ما جاء به قول الباحثين من وجود صلة ما بين المشائية والإشراق ، وأن الحكمة البحتة أي المشائية مقدمة لا غنى عنها للحكمة الذوقية الإشراقية لدى السهروردي وابن عربي ، كذلك أن ما يجمع بين الحكمتين بذور أفلاطونية كامنة في الفلسفة المشائية « 4 » فيه خروج عن طبيعة تصوف ابن عربي الذوقي الشهودي القائم على مجاهدة النفس وخلو الفكر من كل أمر ، ويخبرنا ابن عربي " بأن هذه الطائفة عملت في تحصيل ذلك بطريق الخلوات والأذكار المشروعة لصفاء القلوب وطهارتها من دنس الفكر إذ كان المفكر لا يفكر إلّا في المحدثات لا في ذات الحق وما ينبغي أن يكون عليه في نفسه . . . فتعملت هذه الطائفة في تحصيل شيء مما وردت به الأخبار الإلهية من جانب الحق ، وشرعت في صقالة قلوبها بالأذكار وتلاوة القرآن وتفريغ المحل من النظر في الممكنات والحضور
--> ( 1 ) مدكور ( إبراهيم بيومي ) ، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق ، ص . ص 53 - 54 . ( 2 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، أصول الفلسفة الإشراقية ، مرجع سابق ، ص . ص 174 - 175 . ( 3 ) النشار ( علي سامي ) ، قراءات في الفلسفة ، مصر ، ص 832 . ( 4 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، بحث عن شيخ الإشراق ، ص 37 .