سهيلة عبد الباعث الترجمان
220
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
والمراقبة مع طهارة الظاهر بالوقوف عند الحدود المشروعة من غضّ البصر عن الأمور التي نهى أن ينظر إليها من العورات وغيرها . . . ويزيل التفكير عن نفسه جملة واحدة ، فإنه مفرّق لهمه ويعتكف على مراقبة قلبه عند باب ربه ، عسى اللّه أن يفتح له الباب إليه ويعلم ما لم يكن يعلم مما علمته الرسل وأهل اللّه مما لم تستقل به العقول بإدراكه وأحالته ، فإذا فتح اللّه لصاحب هذا القلب هذا الباب حصل له تجل إلهي أعطاه ذلك التجلي بحسب ما يكون حكمه ، فينسب إلى اللّه منه أمرا لم يكن قبل ذلك يجرؤ على نسبته إلى اللّه سبحانه ، ولا يصفه به إلّا قدر ما جاءت به الأنباء الإلهية ، فيأخذها تقليدا ، والآن يأخذ ذلك كشفا موافقا مؤيدا عنده لما نطقت به الكتب المنزلة وجاء على ألسنة الرسل عليهم السلام . . " « 1 » . ويردف ذلك بقوله : " وأكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقا وشربا فأنكروا مثل هذا من العارفين حسدا من عند أنفسهم " « 2 » كما أنهم " يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلّا بالتعلّم المعتاد في العرف ، وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلّا بالتعلم وهو الإعلام الرحماني الرباني ، قال تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 3 » ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة وآثروا جانب الخلق على جانب الحق وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه . . . حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى اللّه تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه . . . وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن . . . " « 4 » . وهكذا فإن العلم الإلهي لا يخرج عن دائرة الحق ولا يتلقاه العبد إلّا من لدن العزيز العليم لذا قال منبها " في إشارة تحقق " أن المعلم هو الحق ، فليس لأحد منّة على
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 271 - 272 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 272 . ( 3 ) سورة العلق ، الآيات : 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 279 .