سهيلة عبد الباعث الترجمان
218
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ومن هنا تثبت رفعة المعلم على المتعلم واحتياجه إليه ولجوئه إلى فضله لذلك يقول منبها للعقول والأفهام بما يلزم من الأدب مع الأستاذ : " إعلم أن المعلم على الحقيقة هو اللّه تعالى ، والعالم كله مستفيد ، طالب ، مفتقر ذو حاجة ، وهو كماله ، فمن لم تكن هذه أوصافه فقد جهل نفسه ، ومن جهل نفسه فقد جهل ربه ، ومن جهل أمرا فما أعطاه حقه ، ومن لم يعط أمرا حقه فقد جار عليه في الحكم وعرّا عن ملابسة العلم . فقد تبين لك أن الشرف كله في العلم والعالم به بحسب ذلك العلم . . . " « 1 » . لذلك ينكر ابن عربي كل مصدر للعلم خارج عن العلم الإلهي ، بل يصرح بأن علمه مستمد من اللّه وهو العلم الإلهي الذي لا يخالطه فكر ولا نظر ، ولم يتأثر به في علم الفلاسفة ولا المتكلمين ولا أهل النظر فيصرح بذلك بقوله : " فالعلم الإلهي هو الذي كان اللّه سبحانه معلمه بالإلهام والإلقاء وبإنزال الروح الأمين على قلبه وهذا الكتاب من ذلك النمط عندنا فو اللّه ما كتبت منه حرفا إلّا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني ، هذا جملة الأمر مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا أنبياء مكلفين . . . ونبوة التكلف قد انقطعت عند رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا رسول بعده . . . إنما هو علم وحكمة وفهم عن اللّه فيما شرّعه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام وما خطّه وكتبه في لوح الوجود من حروف العالم وكلمات الحق . . " « 2 » . وجملة القول فإنّ ابن عربي لا يدين لأحد بعلمه ، ولم يشر من قريب ولا من بعيد إلى تأثره بفلاسفة عصره ولا بعلماء أمته من أهل الظاهر ، ولم يأخذ عن المتكلمين ما يوجب الإشارة إلى تأثره بهم ، وبالرغم من سعة اطلاعه وغزارة علمه وتنوع معارفه ، فإن هذا لا يبرر دعوى المدعين بأنه تأثر بالقرامطة والإسماعيلية الباطنية إذ لم يكن باطني المذهب كما تأول المتأولون ، ولم ينهج نهج إخوان الصفا المتأثرين بالأفلاطونية المحدثة إذ أنه لم يكن للفلسفة سبيلا إلى مؤلفاته لأن ما جاء به كان من العلم اللّدنّيّ الذي يفوق طور العقل ، ومن ثمّ فلا مجال للمقابلة بينه وبين أهل الفكر والنظر من القائلين بالفيض في إيجاد العالم على حين يقول المتصوفة بالتجلي إذ
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 399 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 456 .