سهيلة عبد الباعث الترجمان

205

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الواقع أن الحلاج كان ممن غلب عليه حال الفناء ، لذلك صدرت عنه شطحات مستشنعة الظاهر ، إلّا أنه كان أكثر دقة وعمقا في تعبيره عن أحواله مما يظهر مدى تأثره بالأفكار الخارجية عنه من هللينية وفارسية وشيعية « 1 » وعقائد مسيحية « 2 » ، ومع ذلك لم يكن فيلسوفا بمعنى الكلمة ، ولو أن شطحاته المأثورة كانت تعبيرا عن وجدان عميق عنيف ، وصورا لمعان نفسية خاصة به لا بغيره ، شعر بها حين سيطر عليه حب من يهواه فصاح كالمجنون الذي أفقده حبه صوابه فقال : " أنا الحق " ولقي من جرائه حتفه ، ولم يكن الحلاج ليستطيع أن يبرهن على شطحاته هذه ولا أن يزيد عليها بأكثر من أنه شعر بمعانيها في نفسه « 3 » . فإن بعض أقواله تتضمن الحلول لفناء الإرادة الإنسانية في الإرادة الإلهية بحيث يصبح كل فعل صادرا عن الإنسان صادرا عن اللّه ، فالإنسان عنده " كما لا يملك أصل فعله كذلك لا يملك فعله " « 4 » . وكل ما يصدر عن الحلاج من فكرة الحلول فهي في حالة سكر لا يعوّل عليها ، على حين أنه في حالة الصحو ينفي مثل هذه الحالة حيث يقول : أنا سرّ الحق ، ما الحق أنا * بل أنا حق ففرّق بينا أنا عين اللّه في الأشياء فهل * ظاهر في الكون إلا عيننا « 5 » وربما يكون تصوف الحلاج قد أثر في تصوف ابن عربي من حيث الأسلوب وليس من حيث العقيدة ، ففي مسألة " الواحد والكثرة " أو " الحق والخلق " التي تأثرت في ناحية من نواحيها بما يقوله الحلاج عن " اللاهوت والناسوت " أو ما يسميه أحيانا " بالطول والعرض " حيث يقول في فتوحاته في العلم العيسوي وهو علم الحروف : " . . . والأصل في هذا كله الحيّ الأزلي ، عين الحياة الأبدية ، وإنما ميز الطرفين أعني الأزل والأبد

--> ( 1 ) الشيبي ( كامل مصطفى ) ، الفكر الشيعي والنزعات الصوفية ، بغداد ، 1966 ، ص 72 . ( 2 ) التفتازاني ، مرجع سابق ، ص 148 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية ، مرجع سابق ، ص 17 . ( 4 ) السلمي ، طبقات الصوفية ، تحقيق نور الدين شريبة ، ط ثانية ، القاهرة ، 1969 م / 1389 ه ، ص 311 . ( 5 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، الحياة الروحية ، مرجع سابق ، ص 116 .