سهيلة عبد الباعث الترجمان

206

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وجود العالم وحدوثه الحي ، وهذا العلم هو المتعلق بطول العالم أعني العالم الروحاني ، وهو عالم المعاني والأمر ، ويتعلق بعرض العالم ، وهو عالم الخلق والطبيعة والأجسام ، والكل للّه ، ألا له الخلق والأمر ، قل الروح من أمر ربي ، وتبارك رب العالمين ، وهذا كان علم الحسين بن منصور رحمه اللّه ، فإذا سمعت أحدا من أهل طريقنا يتكلم في الحروف فيقول إن الحرف الفلاني طوله كذا ذراعا أو شبرا ، وعرضه كذا كالحلاج وغيره ، فإنه يريد بالطول فعله في عالم الأرواح ، وبالعرض فعله في عالم الأجسام ، ذلك المقدار المذكور الذي يميزه به ، وهذا الاصطلاح من وضع الحلاج ، فمن علم من المحققين حقيقة " كن " فقد علم العلم العلوي ، ومن أوجد بهمّته شيئا من الكائنات فما هو من هذا العلم . . . " « 1 » إلا أنه يجدر بنا أن نوضح الفرق الجوهري بين وجهتي نظر هذين الصوفيين بالرغم من تقاربهما . فبينما نرى الحلاج ينظر إلى اللاهوت والناسوت ( أو الطول والعرض ) أو اللّه والعالم كشيئين مختلفين : " ذاتا وطبيعة ، ويعتقد أن اللاهوت يمكنه أن يحل في الناسوت إذا بلغ الناسوت درجة خاصة من الصفاء الروحي ، نرى ابن عربي يقول إن اللاهوت والناسوت أمران اعتباريان يقرر العقل وجودهما لعجزه عن إدراك وحدتهما ، ويشير ابن عربي إلى موقف الحلاج من الاتحاد بين هذين الوجهين قائلا : " من كانت علته عيسى فلا يوسى ، فإنه الخالق المحي ، والمخلوق الذي يحي ، عرض العالم في طبيعته ، وطوله في روحه وشريعته ، وهذا النور من . . . المنسوب إلى الحسين بن منصور لم أر متحدا رتق وفتق وبربّه نطق وأقسم بالشفق . . . مثله فإنه نور في غسق ، منزلة الحق لديه منزلة موسى من التابوت ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت ، وأين هو ممن يقول العين واحدة ويحيل الصفة الزائدة . . . العرض محدود والطول ظل محدود والفرض والنقل شاهد ومشهود . . . " « 2 » . وعليه يمكن القول بأن ابن عربي لم يكن في حالة سكر ، فإن تصوفه صاح واع لكل ما يتلقّاه لأنه عاكف على باب الحق يتلقى الإلهام ولذا فإن تأثره بالحلاج ظاهريا في أسلوبه وبعض المصطلحات ولم يكن تأثيرا في العقيدة ، والشطح الذي أدّى

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 169 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 332 .