سهيلة عبد الباعث الترجمان
204
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
" بأنه سيد هذه الطائفة وإمامهم " « 1 » ، ومما يرويه عنه أنه سئل عن التوحيد فأجاب " إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته ، بأنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، بنفي الأضداد والأنداد والأشباه وما عبد من دونه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 » « 3 » . ويرى في الوحدة الكاملة أنها تكمن في اللّه فقط دون إشراك العبد معه ، وأن الكل هو اللّه فلا إثنينية . ولما كان الجنيد يمثل الجناح المعتدل في متصوفة القرن الثالث الهجري ، فقد فضّل الصحو على السكر ، لأن السكر يخرج بالعبد عن حالته الطبيعية ويفقده سلامة العقل الواعي والقدرة على التصوف ، وسرّ المسألة في نظرهم هو " المعرفة بحقيقة الوجود فإذا عرف الإنسان الأشياء على حقيقتها فرّ منها ونظر إليها بعين الفناء ، ومن نظر إلى الأشياء بعين الفناء أدرك أنها معدومة بالإضافة إلى وجود الواحد الحق " « 4 » . وخلاصة القول أن التوحيد الحقيقي عند الجنيد ثمرة الفناء عن كل ما سوى اللّه ، وهو يشير إلى توحيد من نوع خاص يقوم على أساس من الفناء عن الإرادة ، وعما سوى اللّه بذهاب الحس والحركة مع الثقة التامة بأن اللّه يقوّم العبد بكل شيء . وهذا ما ساد بين الصوفية فيما بعد عن معاني التوحيد وهو الفناء عن السوى إرادة وشهودا . وإذا كان الجنيد يمثل الفريق المعتدل من الصوفية ، فإن الحلاج والبسطامي يمثلان النزعة المغالية فيه ، كما أنه إذا كان الفناء قد أدّى بالحلاج إلى القول بالحلول ، فإنه قد أدّى بالبسطامي إلى القول بالاتحاد ، ويتضح ذلك من قوله " أنا الحق " ولقد ترتّب على قول الحلاج بالحلول نظريات عدة من بينها القول بالنور المحمدي أو مما عرف فيما بعد " بالحقيقة المحمدية " أو القطب أو الإنسان الكامل عند متأخري الصوفية .
--> ( 1 ) القشيري ( عبد الكريم بن هوازن ) : الرسالة القشيرية ، مصدر سابق ، ص 18 . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 3 ) التفتازاني ، مرجع سابق ، ص 135 . ( 4 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، ط أولى ، دار المعارف ، مصر ، 1963 ، ص 283 .