سهيلة عبد الباعث الترجمان
188
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بهذه العلوم وليّ قد أوتي الحكمة ، وإقامة الدليل على تصحيح مسألة من مسائل الطريق أقرب وأيسر من إثبات الولاية لشخص على التعيين ، إذ المخبر عن الحق بالعصمة المقطوع بها على صدقه قد فقد وهو الرسول عليه السلام ، فما بقي لنا إلّا تحسين الظن باللّه في عباده عند ظهور الطاعة منهم ولزوم التقوى وتخيّل الولاية فيمن هو على هذا الوصف من غير قطع ، فلا دليل لهم . . . إلّا على العموم مثل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ و يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ . . . ، إنا نعلم أن للّه أولياء يلهمهم أسراره ويهبهم حكمه ، ولكن متى ادّعاها إنسان اتّهم ويتهمه الخارج عن طريقته أصلا . . . مثل المعتزلي وإن كان مسلما مؤمنا فإنه طالب للّه تعالى ، ومع كونه طالبا يضيف الطلب لنفسه حقيقة ، وجميع أفعاله التي تحت اختياره ، فانظر هل وجد اللّه من يكون سلوكه على هذا المنهج قط " « 1 » وعليه ينتفي القول بأن علم الكلام من مصادر تعلّم ابن عربي إذ كان علمه ذوقيا وهبيا لدنيّا ، فلا يحتاج إلى علم الكلام مهما خبره واطلّع عليه وعرف مسائله ، فهو لم يأخذ به كأصل لعلومه مهما بلغت معرفته له وكشف أسراره وعرف مراميه . فطريق الكشف والشهود لا تحتمل المجادلة ، والرّد على قائله وحرمانه يعود على المنكر ، وصاحب الوجود مسعود بما حصل عليه . . . ثم لتعلم أن الإيمان المؤيّد بالأعمال الصالحة أقسامه في يد الحضرة المقدسة ، فيرى عند إقامته تفجير أنهار العلوم والمعارف والحكم والأسرار . . . ويرى ما ملكته تلك اليد لأصحاب المقامات المحمديّة فتتغذى بذلك روحانية ساكن هذه الحضرة . . . « 2 » لذلك يوصي ابن عربي ان لا يهمل العقل ولا ينكر الإيمان ، إذ لكل منه دوره في العلم والمعرفة ، فيبين قيمة العقل وتحصيله للمعرفة والإيمان وما أعطاه من المعرفة ، لكن بعدم الجمع بينهما بل الاستفادة من تحصيلهما لتكوين المعرفة ، وهذا ما اعتمده ابن عربي في تحصيله لعلومه جميعها فيقول في كتاب الوصايا : قال : " الذي أوصيك به أيها الأخ الإلهي أيدك اللّه
--> ( 1 ) ابن عربي ، رسالة الانتصار ، مجموعة رسائل ابن عربي ، الجزء الثاني ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 - 1948 م ، ص . ص 1 / 12 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الفناء ، مجموعة رسائل ابن عربي ، الجزء الأول ، ط الأولى ، حيدر أباد ، 1367 ه / 1948 م ، ص . ص 7 - 8 .