سهيلة عبد الباعث الترجمان

176

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يأخذ بطرف من الاثنين محاولا التوفيق بينهما ، وهكذا ، وربما كان تأثره بأساليب المتكلمين وطريقتهم في عرض المسائل أعظم من تأثره بمذهبهم وآرائهم ، إلّا أنه لا يستعمل هذه الأساليب وهذه الطرق الجدلية كما يستعملها المتكلمون ، بل هو يمزجها إلى حد كبير بشيء من التصوف كعادته « 1 » . ويحدثنا ابن عربي في مقدمة الفتوحات عن دور هذا العلم بين سائر العلوم إذ يقوم فيه بحث العقائد على العقل والنظر فقط ولا سبيل إلى الكشف فيه فيقول : " قلنا وربما وقع عندي أن أجعل في هذا الكتاب أولا فصلا في العقائد المؤيّدة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة ، ثم رأيت أن ذلك تشغيب على المتأهب الطالب للمزيد ، المتعرّض لنفحات الجود الإلهي بأسرار الوجود ، فإن المتأهب إذا لزم الخلوة والذكر وفرّغ المحل من الفكر ، وقعد فقيرا لا شيء له عند باب ربه ، حينئذ يمنحه اللّه تعالى ويعطيه من الأسرار الإلهية والمعارف الربانية . . . فيحصل لصاحب الهمّة في الخلوة مع اللّه وبه جلّت هبته وعظمت منّته من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة ، بل كل صاحب نظر وبرهان ليست له هذه الحالة ، فإنها وراء طور النظر العقلي ، إذ كانت العلوم على ثلاث مراتب ( علم العقل ) وهو " كل علم يحصل لك ضرورة أو عقيب نظر في دليل بشرط العثور على وجه ذلك الدليل وشبهه من جنسه في عالم الفكر الذي يجمع ويختص بهذا الفن من العلوم " « 2 » . ولهذا يقولون في النظر منه صحيح ومنه فاسد . وهذا ما دفع ابن عربي إلى القول بمنع المتأهب لتجلي الحق إلى قلبه من التعرّض لعلم الكلام والخوض فيه خوفا من وقوعه في الخطأ والخروج عن حكم العامة ، فيلتحق بصنف من أصناف أهل النظر والتأويل ، وهنا يناقض ظاهر ما جاء به الشرع . والقرآن خير دليل على صحة العلم ، لذلك يدعوا إلى التمسك به والاقتداء بالرسول الذي جاء به فيقول موضحا لموقفه : " ثم نرجع إلى السبب الذي لأجله منعنا المتأهب لتجلي الحق إلى قلبه من النظر في صحة العقائد من جهة علم الكلام ، فمن ذلك أن

--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، من أين استقى ابن عربي ، مجلة كلية الآداب ، جامعة القاهرة 1933 ، ص . ص 23 - 24 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 31 .