سهيلة عبد الباعث الترجمان

177

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العوام بلا خلاف من كل متشرّع صحيح العقل ، إن عقائدهم سليمة وأنهم مسلمون ، مع أنهم لم يطالعوا شيئا من علم الكلام ، ولا عرفوا مذاهب الخصوم ، بل أبقاهم اللّه تعالى على صحة الفطرة وهو العلم بوجود اللّه تعالى بتلقين الوالد المتشرّع أو المربّي ، وأنهم من معرفة الحق سبحانه وتنزيهه على حكم المعرفة والتنزيه الوارد في ظاهر القرآن المبين ، وهم فيه بحمد اللّه على صحة وصواب ما لم يتطرّق أحد منهم إلى التأويل . . . فالعامة بحمد اللّه سليمة عقائدهم لأنهم تلقّوها . . . التلقّي الذي يجب القطع به . . . والقرآن العزيز قد ثبت عندنا بالتواتر أنه جاء به شخص ادّعى أنه رسول من عند اللّه تعالى ، وأنه جاء بما يدل على صدقه . . . فقد صح عندنا بالتواتر أنه رسول اللّه إلينا وأنه جاء بهذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم . . . فقد ثبت العلم به أنه النّبأ الحق والقول الفصل . . . وإذا كان الأمر على ما قلناه فيأخذ المتأهب عقيدته من القرآن العزيز ، وهو بمنزلة الدليل العقلي في الدلالة إذ هو الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . فلا يحتاج المتأهب مع ثبوت هذا الأصل إلى أدلة العقول إذ قد حصل الدليل القاطع الذي عليه السيف معلّق . . . " « 1 » ولكن لما كان العوام على صدق عقيدتهم الفطرية ولا حاجة بهم إلى النظر في الأدلة لإثبات الإيمان لديهم ، فليتركهم المتكلم على ما هم عليه ولا يكفّر أحدا منهم . إذن ما هدف علم الكلام . ولماذا أنشأ المتكلمون مذهبهم هذا ؟ فالإجابة واضحة لدى ابن عربي حيث يقول بصراحته المعهودة : " وعلماء هذا العلم رضي اللّه عنهم ما وضعوا وصنّفوا فيه ما صنّفوه ليثبّتوا في أنفسهم العلم باللّه ، وإنما وضعوه ردعاّ للخصوم الذين جحدوا الإله أو الصفات أو بعض الصفات أو الرسالة أو رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، أو حدوث العالم أو الإعادة إلى هذه الأجسام بعد الموت ، أو الحشر والنشر وما يتعلق بهذا الصنف ، وكانوا كافرين بالقرآن ، مكذبين به ، جاحدين له ، فطلب علماء الكلام إقامة الأدلة عليهم على الطريقة التي زعموا أنها أدّتهم إلى إبطال ما ادّعينا صحته خاصة حتى لا يشوّشوا على العوام عقائدهم ، فمهما برز في ميدان المجادلة بدعيّ برز له أشعريّ ، أو من كان من أصحاب النظر ولم يقتصروا على

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص . ص 34 - 35 .