سهيلة عبد الباعث الترجمان
160
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ويضيف قائلا : " وإنما قلنا ذلك لئلا يتوهم متوهم أني وأمثالي أدّعي النبوّة ، لا واللّه ، ما بقي إلّا ميراث وسلوك على مدرجة محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة وإن كان للناس عامة ولنا ولأمثالنا خاصة من النبوة ما أبقى اللّه علينا منها مثل المبشّرات ومكارم الأخلاق ، ومثل حفظ القرآن إذا استظهره الإنسان ، فإن هذا وأمثاله من أجزاء النبوة الموروثة . . . فكل شرع ظهر ، وكل علم إنما هو ميراث محمدي في كل زمان . . . ولهذا أوتي جوامع الكلم . . . " « 1 » . ويذكر الشعراني : " أن كل ذلك بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لهم لا بحكم الاستقلال " « 2 » . إذن فهو يخضع في كل علومه ومعارفه إلى تصرف الحق دون إرادة منه ، فيكون علمه والحال كذلك ليس من علوم أهل النظر والفكر ، إنما هو علم إلهي إلهامي يناله من اللّه ، وهو العلم اللّدنيّ الذي لا دخل للعقل في صياغته وإخراجه ، وفيه يصور نفسه عاكفا على باب الحضرة الإلهية رهينة لملك الإلهام مراقبا لتلقّي الجود والكرم منه . يقول : " اعلم أن ترتيب أبواب الفتوحات لم يكن عن اختيار ولا عن نظر فكري ، وإنما الحق تعالى يملي لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره ، وقد نذكر كلاما بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده ، وذلك شبيه بقوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى « 3 » بين آيات طلاق ونكاح وعدة ووفاة تتقدمها وتتأخرها " « 4 » . بل يضيف إلى ذلك موضحا التزامه بالأمر الرباني في مؤلفاته إذ يقول : " فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف ، ولا نجري نحن منه مجرى المؤلفين ، إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية . . . فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله ، وألفته على حسب ما يحدّ لها من الأمر " « 5 » . ويقول أيضا : " نحن بحمد اللّه لا نعتمد في جميع ما نقوله إلّا على ما يلقيه اللّه تعالى في قلوبنا لا على ما تحتمله الألفاظ " « 6 » ، ولهذا ميزه أبو العلا عفيفي
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 456 . ( الحديث سبق تخريجه ) . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، ص 4 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 238 . ( 4 ) الشعراني ، المصدر السابق ، ص 5 . ( 5 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 59 . ( 6 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 136 . ( انظر اليواقيت للشعراني ، ص 24 ) .