سهيلة عبد الباعث الترجمان

159

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » فما يعلمها إلّا من أوتيها فهي هبة من اللّه تعالى كما وهبنا وجود أعياننا ولم نكن شيئا وجوديا ، فالعلم الإلهي هو الذي كان اللّه سبحانه معلّمه بالإلهام والإلقاء ، وبإنزال الروح الأمين على قلبه ، وهذا الكتاب من ذلك النمط عندنا ، فو اللّه ما كتبت فيه حرفا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني ، هذا جملة الأمر مع كوننا لسنا برسل مشرّعين ولا أنبياء مكلّفين - بكسر اللام - فإن رسالة التشريع ونبوّة التكليف قد انقطعت عند رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا رسول بعده . . . ولا نبيّ يشرّع ولا يكلّف ، وإنما هو علم وحكمة وفهم عن اللّه فيما شرّعه على ألسنة رسله وأنبيائه عليهم سلام اللّه ، وما خطّه وكتبه في لوح الوجود من حروف العالم وكلمات الحق ، فالتنزيل لا ينتهي بل هو دائم دنيا وآخرة " « 2 » . ولما كان ابن عربي تابعا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ووارثا له ومقتديا به فهو لم يدّع النبوة ، إذ أن النبوة أي نبوّة التشريع قد أغلق بابها ، لذا فكل ما نسب إليه من ادعاءات فهو من باب الدسّ إذ لم ينج من الحاقدين عليه الذين رموه بالباطل والكفر والزندقة ، فهو يخبرهم عن حال النبوة وعن تبرّيه من كل تهمة مبينا حقيقة أمره وما خصّه به اللّه من فيضه ونعمه فيقول : اللّه أنشأ من طيّ وخولان * جسمي فعدّلني خلقا وسّواني وأنشأ الحق لي روحا مطهّرة * فليس بنيان غيري مثل بنياني إني لأعرف روحا كان ينزل بي * من فوق سبع سماوات بفرقان « 3 » أما بشأن النبوة : وما أنا مدّع في ذاك من نبأ * من الإله ولكن جود وإحسان ، إن النبوّة بيت بيننا غلق * وبينه موثق بقفل إيمان « 4 »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 269 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 456 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 456 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 456 .