سهيلة عبد الباعث الترجمان
153
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أوحى اللّه به ، ويختلف عن غيره من العقائد الدينية بأن دائرته لا تنتهي ولا تتوقف ، وأن بالغنوص الخلاص الأبدي ذلك أنه الوحي المتجدد والفيض الذي ينبعث دائما من الملأ الأعلى « 1 » . وقد أثّرت الغنوصية في اليهودية وسيطرت على فيلسوفهم " فيلون " وأثّر فيلون في القديس يوحنا الإنجيلي ، وإن كانت المسيحية ترى في المسيح صفات الغنوصي ، وإن المسيحية دين غنوصي لكنها تقتصر الغنوص على المسيح وحده ، فالاتحاد المطلق بين العارف والمعروف سواء في العرفان أو في المادة إنما كان بين اللّه والمسيح فقط ، ولهذا فقد ظهر الغنوص يحارب المسيحية في العصر الهيلني وتحاربه المسيحية أيضا « 2 » . ولكن نتساءل : هل استطاع الغنوص النّفاذ إلى مفكري الإسلام أيضا ؟ فمّما يظهر لنا أنه ليس كل التصوف غنوصا ، بل فيه الكثير من تفسير القرآن تفسيرا ذوقيا لا عقليا ولا سمعيا . وقد اتهم حجة الإسلام أنه كان ضحية الغنوص في كتبه مشكاة الأنوار ، ومعراج القدس ، والمضنون به على غير أهله ، وأنه باع الفقه بالتصوف كما يقول ابن الجوزي ، وهذا خطأ ، فالغزالي خاض كل ما عرف العالم الإسلامي من علوم ومعارف وتقلب بها باحثا مفسرا معلقا ، وأصابه من كل شيء رذّاذ ، لذا لم يكن كل التصوف غنوصا ، وفي كل تجربة هو قابض على مذهب أهل السنة والجماعة قبض الجبابرة . ومع ذلك يرى الدكتور النشار أن الغنوص قد سيطر على فلاسفة الصوفية وتأثروا به وسقط عدد من مفكري الإسلام ضحية له كالحلاج والسهروردي المقتول وعين القضاة الهمذاني وابن سبعين والتستري ومحي الدين بن عربي وغيرهم « 3 » . لكن مما يبدو لنا أنه ما دام الغزالي قدوة ابن عربي وهو من خلاصة مفكري أهل السنة فإن هذا ينسحب بالطبع على ابن عربي ، فهو لم يدخل فكرة الثنائية الغنوصية بين اللّه والمادة في عقيدته الصوفية ، وإنه ممّن فسّر القرآن تفسيرا ذوقيا لا دخل للعقل فيه
--> ( 1 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، ملامح الفكر الفلسفي والديني ، المرجع السابق ، ص . ص 269 - 270 . ( 2 ) النشار ( علي سامي ) ، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، الجزء الأول ، ط ثالثة ، مصر ، 1965 ، ص . ص 171 - 172 . ( 3 ) المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 171 .