سهيلة عبد الباعث الترجمان

146

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أما عن علاقة اللّه بالعالم فيرى الرواقيون أن العقل الذي أبدع الأشياء جميعا هو اللّه خالق العالم ، وهو الإله بارئ العالم في الوقت نفسه جوهر العالم وحقيقته ، إذن فاللّه ليس هو المبدأ الخالق للعالم فقط ، بل هو العالم نفسه ، ومن أجل ذلك قال أصحاب الرواق : أن العالم هو جوهر اللّه ، وهو ما يطلق عليه اسم " الطبيعة " أي مجموع الأشياء المتناسق ، والكون من حيث يدبّره مبدأ عاقل ليس شيئا غير اللّه ، فاللّه والطبيعة إسمان يدلان على حقيقة شاملة واحدة « 1 » . وقد ظهرت صورة الوحدة في أكمل معانيها لدى سونيسيوس القورينائي ( ولد سنة 360 م ) في عهد متقدم جدا ، فهو يرى " أن اللّه هو الواحد ، وهو الكل ، وهو واحد الأشياء ، والواحد قبل الأشياء ، وبذرة كل شيء ، وكل شيء عنه يصدر ، وكل وجود ، وكل فكر ، وكل جمال وكل فعل . . . وواحد كل واحد ، وعدد كل عدد ، هو أصل الحاضر ، وهو الجمال اللانهائي ، والبذرة الخفية وأبو العالم وأبو العوالم العقلية " « 2 » . وجملة القول أن نظرتهم فيما يتصل باللّه تجعل من هذا الوجود وجودا باطنا في ذاته ، أي أنهم يقولون بوحدة الوجود على أساس أن اللّه هو القوة الحالة في جميع أجزاء المادة التي يتكون منها الكون « 3 » . - الأفلاطونية المحدثة : أفلوطين : إذا كان أفلاطون هو أول من أشار إلى فكرة " اللّه الواحد " عند اليونان ، ومن بعده تناول أرسطو فكرة " الألوهية " في الميتافيزيقا ، وتكلم عن " المحرك الأول " مدللا على ضرورة الوقوف عند إله واحد ثابت يحرك ولا يتحرك البتة ، فإن أفلوطين قد وقف موقفا آخر مبينا آراء كل من أفلاطون وأرسطو ، فقد حاول أن يجد مبدأ أول أسمى من العقل الأرسطي والمثل الأفلاطونية ، " فاللّه " وهو المصدر الأسمى للوجود عند أفلوطين ، هو إله أرسطو ارتفع به أفلوطين إلى درجة عالية من البعد والسموّ بعد أن

--> ( 1 ) أمين ( عثمان ) الفلسفة الرواقية ، مرجع سابق ، ص . ص 131 - 132 . ( 2 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، سونيسيوس القورينائي ، منشورات الجامعة الليبية ، ص 250 . ( 3 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، الموسوعة الفلسفية ، طبعة أولى ، الجزء الأول ، بيروت ، 1948 ، ص 539 .