سهيلة عبد الباعث الترجمان
143
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إذن فإن أفلاطون قد أضاف إلى منهجه المنطقي الرياضي اتجاها صوفيا عميقا تلقّاه من النّحلة الأورفية وتعاليم الفيثاغوريين ، فكان لهذه النزعة الروحية العميقة أثرها الكبيرة على المتصوفة فيما بعد سواء منهم المسيحيين أو المسلمين ، كما يشار إلى أفلاطون أنه مصدر فكرة الإشراق النوراني التي استعارها منه الأفلاطونيون المحدثون ، كذلك الصوفية في مختلف الأديان « 1 » . ويميل أرسطو إلى القول بنوع من الوحدانية الشاملة ، ولكنه لا يخالف قومه بالقول بالأرواح الإلهية المتعددة ، إلا أنه يوافق سقراط في تنزيهه الآلهة المتعددة عن صفات البشر « 2 » . ويستدل أرسطو على وجود اللّه من النظر في ظاهرتي الزمان والمكان ، فالزمان لا بداية له ولا نهاية لأن كل آن منه له قبل وبعد ، فهو موجود منذ الأزل وإلى الأبد ، ولما كان الزمان مقياس الحركة فهو يفترض وجود حركة أزلية أبدية ، ومثل هذه الحركة لا بد أن تكون دائرية متصلة في المكان حتى لا يكون لها بداية ولا نهاية وهي حركة السماء الأولى ، وهذه الحركة تفترض وجود محرّك أزلي خالد مثلها « 3 » . وهكذا فإن العلم أزلي ، وأن الحركة أو الصيرورة التي يتمثل فيها وجوده وتبدو فيها كينونته هي أزلية مثله ، غير أن هذه الحركة لا تحتوي على علة وجودها ، لأن كل تغيّر يحدث يقصد الكمال ويتجه صوب الأفضل « 4 » ، وكذلك لا بد لهذا المحرّك الأول الذي هو علة للحركة الأبدية أن يكون بدوره أبديا مثلها ، كما ينبغي ألّا يتعدد ولا ينقسم ، وأول ما يتصف به هذا المحرّك الأول الذي لا يتحرك أنه صورة خالصة وليس به مادة فلا بد أن يتصف هذا المحرك اللامتحرك بأنه صورة خالصة وفعل خالص لا يوجد به شيء من القوة ، ويترتب على ذلك أيضا ألّا ينقسم ولا يتعدد لأنه خال من المادة « 5 » . فالحاصل من ذلك أن المبدأ الأول هو حياة أبدية كاملة من سائر
--> ( 1 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، تاريخ الفكر الفلسفي ، مرجع سابق ، ص 292 . ( 2 ) فروخ ( عمر ) ، الفلسفة اليونانية في طريقها إلى العرب ، الطبعة الأولى ، مكتبة منيمنة ، بيروت ، 1947 م ، ص 100 . ( 3 ) مطر ( أميرة حلمي ) ، الفلسفة عند اليونان ، مرجع سابق ، ص 286 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 286 . ( 5 ) المرجع السابق ، ص 287 .