سهيلة عبد الباعث الترجمان
144
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الوجوه مبتهجة بما لها من العلم بكمال ذاتها الجليلة إذ ليس السرور إلّا العلم بالكمال « 1 » . وهكذا فإنه في مبحثه عن الجواهر التي هي العالم الإلهي ، نراه يبحث عن العلة " الموجود " الأول والعلة الأولى ، ويرى بأن دراسة اللّه هي عبارة عن دراسة الموجود من حيث هو كذلك ، إذ أن الصيغة الحقة للوجود إنما تتجلى فيما هو دائم لا فيما هو حادث « 2 » ، وهكذا فإن أصحاب النزعة الأرسطية يرون أن الوجود الحق هو الوجود الفردي ، أما الكلي فلا وجود واقعي له ، بل هو مجرد اسم فقط « 3 » . وإذا ذهبنا إلى المدارس الفلسفية المتأخرة نجد ( الرواقية ) التي تقول " بالنار الحيّة " ، و " باللوغوس " أو العقل منبثا في العالم وتسميه " اللّه " . والعالم عند الرواقيين هو مجموع الأشياء المؤلفة من السماء في العالم والأرض وما فيهما من أجناس وطبائع ، والعالم يحيط به خلاء ، وللعالم أنفس لأن العالم كائن حيّ مفكر ، عاقل ، ونفس العالم منبثّة في كل مكان . أمّا الكون فهو المجموع المؤلف من العالم ومن الخلاء اللامتناهي الذي يحيط به ، والعالم على شكل الفلك ، وكأن الأرض مركز ذلك الفلك « 4 » . وأهل الرواق لم يقبلوا بالعناصر مجتمعة ، فلم يقبلوا إلّا مبدأ واحدا وجوهرا واحدا أصليّا ، منه تنشأ الأشياء وإليه تعود ، وهو النار ، فالنار وحدها لها البقاء فهي لا تفنى ولا تنحل إلى عناصر غيرها ، وليست النار التي يتحدث عنها أهل الرواق هي النار التي ندركها بحواسنا وتجاربنا اليومية ، بل هي مبدأ ذو صورة هوائية نارية معا ، هي النفس ذات قانون وذات فن خاص تعطي للأشياء صورتها وجوهرها . ويذهب الرواقيون أبعد من ذلك فيجعلون من هذه النار عقلا . وهي الجوهر الأول الذي يطلق عليه تارة اسم " الطبيعة " وتارة اسم " التماسك " ، وتارة اسم " حركات الأجسام " ، وهو
--> ( 1 ) غلاب ( محمد ) ، مشكلة الألوهية ، مرجع سابق ، ص . ص 46 - 47 . ( 2 ) كرم ( يوسف ) تاريخ الفلسفة ، مرجع سابق ، ص 117 . ( 3 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، فلسفة العصور الوسطى ، مكتبة النهضة المصرية ، مصر ، 1963 ، المقدمة ، ص ي . ( 4 ) أمين ( عثمان ) ، الفلسفة الرواقية ، سلسلة أعلام الفلسفة ، القاهرة ، 1364 ه / 1945 م ، ص 127 .