سهيلة عبد الباعث الترجمان

136

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وهكذا يبدو لنا أنه مهما حاول المستشرقون أن يقدموا من أدلة على نشأة التصوف الإسلامي ونشأة الزهد وردّه إلى مصدر هندي فإنه لا يمكن الجزم في ذلك ، لأنه لو سلمنا جدلا برأي من قال بالتشابه بين وحدة الوجود البراهمنية وبين الاتحاد الصوفي ، أو بين من قال بالتشابه بين " النرفانا البوذية " و " الفناء الصوفي " فإننا لا نستطيع أن نقرر لمجرد وجود هذا التشابه أن الاتحاد أو وحدة الوجود أو الحلول عند الصوفية مستمدّ من العقائد المقابلة في الديانة البراهمنية ، ولا بأن الفناء أو الغيبة عن الحس أو الانسلاخ عن النفس عند الصوفية مردود إلى " النرفانا " " البوذية ، بل سيظل هناك فروق جوهرية بينهما « * » ، كما أن انتهاء مذهبين إلى نتيجة واحدة ليس إلّا خضوع نفوس أصحابها لظروف وأحكام نفسية متشابهة ، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج متشابهة « 1 » . وخلاصة القول أنه مهما كان للمذاهب الهندية من أثر في نظرية وحدة الوجود الصوفية ، أو في فكرة تطابق العالم الصغير بالعالم الكبير ، « 2 » فإن هذه المذاهب والأذواق الصوفية لدى المسلمين قد نسجت لأول مرة من خيوط إسلامية بحتة ، غير أن بعضها اصطبغ بالصبغة الهندية ، وبعضها الآخر بصبغة فارسية أو يونانية أو نصرانية . وهناك رأي آخر يذهب إلى أن الفكرة عرفت لدى الزرادشتية والمانوية ، وقد أدى شيوع هذه الفكرة عن وحدة الوجود بين العارفين في إيران إلى القول بأن التصوف الإيراني مرادف لعقيدة وحدة الوجود ، وقد نشأت في ذلك أروع الأشعار الإيرانية ، وأضفت بذلك الثورة والحرارة على الغزل الإيراني « 3 » .

--> ( * ) الفناء والنرفانا : هناك فارق بين الفناء والنرفانا الهندية ، في النرفانا يصبح الفناء نهائيا لأن النفس تتحرر من قيود الجسد وتتلاشى في النفس الكلية بحيث لا يصبح لها وجود ذاتي . أما الفناء الصوفي فيعقبه بقاء وهو أن يفنى الإنسان عمّا له ويبقى بما للّه تعالى . ( انظر حنا فاخوري وخليل الجر ، تاريخ الفلسفة العربية ، ط بيروت ، ص 334 ) . ( 1 ) حلمي ( محمد مصطفى ) : الحياة الروحية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 38 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 39 . ( 3 ) غنى ( قاسم ) ، تاريخ التصوف في الإسلام ، ترجمه عن الفارسية صادق نشأت ، مراجعة محمد مصطفى حلمي ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1973 م ، ص 238 .