سهيلة عبد الباعث الترجمان
134
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الإسلام ، ومثل هذا التنوير من " اليوچا " لا يحصل بضربة واحدة بل يجب على المريد أن يخطو إلى غايته خطوة خطوة ، وهذه أشبه بأحوال السالكين في التصوف ومقاماتهم أثناء السلوك ، وليس في الطريق مرحلة واحدة يمكن فهمها للإنسان إذا لم يكن قد مرّ على المراحل السابقة لها . فلا سبيل إلى " اليوجا " إلّا بعد رياضة طويلة للنفس ولمراحلها الثمانية ، كي يتم تطهير النفس والتركيز حول فكرة واحدة وموضوع واحد « 1 » . أما البوذية فهي تقوم على أسس أخلاقية واضحة ، ويتحقق الخلاص عند أتباعها عن طريق اتّباع منهج عقلي أخلاقي هدفه محو النفس الفردية وفنائها في " النرفانا " « * » « 2 » أي في الذات الإلهية ، وهي في معناها الديني تعني السيطرة على النفس والبحث عن الحقيقة والنشاط والهدوء والغبطة والتركيز وعلو النفس . وتنبثق عن مصدر أساسي هو إخماد الشهوة الجسدية ، وعلى ذلك تتخذ كلمة " نرفانا " معنى السكينة التي لا يشعر بها ألم « 3 » . وربما كان أبو الريحان البيروني ( ت 962 ه / 1048 م ) أدق المؤرخين الذين كتبوا عن الهند في كتابه : " تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة " وإليه يعود الفضل في كل ما ذهب إليه المستشرقون من آراء حول هذه الحقيقة الوجودية ، فيقول حاكيا عن أهل الهند : " إنهم يذهبون في الوجود إلى أنه شيء واحد " « 4 » ، كما يبين دور حكماء الهند إلى " أن الموجود شيء واحد ، وأن العلة الأولى تتراءى فيه بصورة مختلفة ، تحلّ قوتها في العامة بأحوال متباينة مثل التجسد بالأبدان معدودة مجندّة ،
--> ( 1 ) ديورانت ( ول ) ، قصة الحضارة ، مرجع سابق ، ص 263 . ( * ) النرفانا معناها في السنسكريتية بصفة إجمالية " منطفئ كما ينطفئ المصباح أو تنطفئ " النار . وقد استعملها البوذية بمعان مختلفة من طرح الشهوات والفناء عن الحياة وانعدام الشعور بالنفس واتحاد الفرد باللّه . وهو ما يقابل الفناء بالمعنى الصوفي . ( المرجع السابق ، ص 84 ) . ( 2 ) أبو ريان محمد علي ، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ، دار الجامعات المصرية ، الإسكندرية ، 1970 ، ص 88 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص . ص 84 - 85 . ( 4 ) البيروني أبو الريحان ، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة . حيدر أباد ، الدكن ، الهند ، 1377 ه / 1958 م ، ص 30 .