سهيلة عبد الباعث الترجمان
127
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
والطاعنين ، ومع ذلك فلا اعتبار لإنكار المتأخرين بعد إقرار المتقدمين ، . . . فلو نوّر اللّه تعالى بصائرهم . . . وأراد إصلاحهم وخيرهم لأشغلهم بإصلاح أنفسهم دون غيرهم لأن من عرف نفسه . . . « 1 » لذلك يدعوا ابن عربي إلى التسليم بعلومه وعلوم قومه لأنه علم مبني على التصديق لمن لا يدريه ، وهو علم التصوف الذي لا يمنح إلّا لصاحب عناية وتصريف فيقول : " فاعلم شرح اللّه تعالى صدرك ، ونوّر سرّك أن مبنى هذا الطريق على التسليم والتصديق ، حتى قال بعض السادة القادة من أهل هذا الطريق : لا يبلغ إنسان درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق ، وانظر إلى قول الشريف الرضيّ حفيد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن تعبد الوثنا ولا ستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا « 2 » ويبين ابن عربي طبيعة علمه ومبناه ، فهو بعيد عن النظر وإعمال الفكر بل هو عمل قلبي كامل يستوجب عدم الإنكار لأن المعارف القلبية لا يدخلها الشك ولا الرّيب فقال : " فكذلك يا أخي ، هذا العلم السنيّ دار رجب وهو نتيجة التقوى ، فإذا رأينا رجلا إتقى اللّه ووقف عند حدوده ، وقد اتصف بالصفات الحميدة ثم نطق بعد ذلك بعلم لا تسعه عقولنا ، وهبه اللّه سبحانه إياه فالواجب علينا التسليم والتصديق وعدم الإنكار والاعتراض ، لأن اللّه تعالى يخصّ من يشاء من عباده بما شاء من علومه : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ « 3 » . . . فلما رأيناك تطلب الدليل والعلوّ ممن ورثه ولازم التقوى التي تدل على صحة علمه كدلالة المعجزة على النبوة علمنا أن صفة الصدق ما استقرت فيك ، فإذا كنت كذلك فسلّم لهم أحوالهم ولا تشك في أقوالهم وقل رب زدني علما . . . ولا تنكر عليهم النطق بالغيب مع إيمانك بالمثال المحسوس الذي نصبه اللّه تعالى لك . . . " « 4 » .
--> ( 1 ) القاري البغدادي ، الدر الثمين ، مصدر سابق ، ص . ص 75 - 76 . ( 2 ) ابن عربي ، التدبيرات الإلهية ، نشرة نيبرج ، مطبعة بريل ، مدينة ليدن ، سنة 1336 ه ، ص 113 . ( انظر الدر الثمين للقاري البغدادي ، ص 79 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ، 269 م . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 115 . ( انظر الدر الثمين ، ص . ص 10 - 81 ) .