سهيلة عبد الباعث الترجمان

128

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

هكذا نرى أن ابن عربي لا يحيد عن الكتاب والسّنّة بل يسفّه العقل الذي لا طاقة له بإدراك ما يستوجب الإيمان فقط فيقول : " . . . يا ليت شعري طالب الدليل على هذا العلم المشاهد ، هل أحاط علما بمعاني الكتاب والسنّة حتى يقال له هو مثل كذا ، هل أحاله دليل العقل ، فغاية العاقل . . . أن يجعل ما نطق به هذا الصوفي من قبيل الجائز وإنما صار واجبا عندهم لا من حيث نفسه إلا من حيث العلم القديم ، فإذا أتى هذا الصوفي بالجائز أو بموبقات العقول . . . فالعقل إما يقف أو يجوّز لأنه ما أتى بشيء يهدّ به ركنا من أركان التوحيد ولا ركنا ما من أركان الشريعة فما جرم المستمع له في معرض الإنكار إلا قلة التصديق ، فالصفة راجعة إليه والصوفي منزه عما نسب إليه . . . ولذلك أشار صلّى اللّه عليه وسلّم مخبرا عن ربه " ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . . . الحديث " « 1 » « 2 » . بعد أن عرضنا لحياة ابن عربي ، وخصائص عصره نرى أنه لزاما علينا أن نوضح صورة العقيدة التي بنى عليها مذهبه في وحدة الوجود ومفهومه لهذا الوجود الذي تفرّد به عن غيره ، وما انطوى عليه مذهبه من علوم تكشف عن حقيقة تصوفه القائم على الكتاب والسنّة بعيدا عن كل صبغة مادية ومتبرئا من القول بالحلول أو الاتحاد .

--> ( 1 ) ابن عربي ، التدبيرات الإلهية ، المصدر السابق ، ص 117 . ( انظر الدر الثمين ، ص 82 ) . ( 2 ) الحديث : جزء من حديث طويل . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن اللّه قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي بما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . وإن سألني لأعطيته ولأن استعاذني لأعيذنه " . أخرجه البخاري في الرقاق من حديث أبي هريرة ، وأحمد والحكيم وأبو يعلى والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن عائشة أم المؤمنين . والطبراني في الكبير عن أبي إمامة ، وابن السني عن ميمونة ، والقشيري في الرسالة عن أنس . كما أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 403 وفيه رواة الحديث وما قيل فيه ، كما أخرجه ابن عربي في مشكاة الأنوار 77 برقم 91 . والحديث صحيح ثابت .