سهيلة عبد الباعث الترجمان

126

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

سكتوا وما نطقوا ، وسلكوا طريق الهلاك وحادوا عن سبيل النجاة ، لكونهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن مشرب العارفين محرومون ، وعن ذوق الذّائقين مصروفون ، وعن سلوك السالكين منقطعون وبما لديهم من العلوم الظاهرة فرحون ، فلو كانوا بالعروة الوثقى متمسكين ، وللسنّة الشريفة متّبعين ، ولخواص جناب اللّه محبين ، لما طعنوا في الشيخ محي الدين مع إجماع علماء عصره الراسخين ، من الفقهاء والمتكلمين ، والمشايخ العارفين المحققين ، بأنه إمام أهل التحقيق في التوحيد ، فإنه في جميع العلوم الظاهرة والباطنة الفريد والوحيد « 1 » . فالفضل إذن يعود إلى الفيروزآبادي الذي وفّاه حقه بالكامل ، فبين موقف معاصريه من العلماء وأهل النظر المنكرين عليه ، كما أشار إلى التابعين له الآخذين عنه ، المستأنسين بأفكاره وأقواله المراقبين لأعماله ومجاهداته أمثال العزّ بن عبد السلام وأقرانه فقال فيهم : " . . . من كان له طبع مستقيم وعقل سليم ، وشرب من العلوم اللدنيّة والمعارف الربانية . . . علم أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام والذين عاصروه من الأعلام لا يقرّون لأحد إلّا بعد مشاهدة خوارق حاله ، ومعاينة أقواله وأفعاله ، فقد كانوا للشيخ محي الدين مسخّرين ، ولأقواله وأفعاله معترفين ، ولتفخيم شأنه وتعظيم مكانه مذعنين . أفترى أن أهل تلك البلدة العظيمة . . . مع كثرة علمائها وغزارة فضلائها وطول إقامة الشيخ محي الدين . . . بين أظهرهم أكثر من ثلاثين سنة ، وكثرة مصنفاته المتداولة بينهم علموا أنها باطلة وسكتوا ؟ . . . ولما جاور بمكة . . . كان فيها من العلماء الراسخين ، والفقهاء المدققين ، وجمهور المتكلمين ، والمشايخ العارفين المرشدين ، والأولياء الأبرار ما لم يوجد في عصر من الأعصار ، والكل كانوا له مقرّبين ، وبفضله عليهم معترفين ، وبأقواله متبرّكين ، وعلى قراءة مصنفاته مواظبين ، ومصنفاته الشريفة ومؤلفاته المنيفة تشهد بوفور علمه وكمال فضله ، وكان أكثر اشتغاله بمكة المشرفة في إسماع الحديث النّبوي وأكثر مصنفاته بخطه . . . فياليت شعري ، أكان هؤلاء العلماء الذين عاصروه وأخذوا عنه العلم مسلّمين أم كانوا جاهلين ؟ بل كانوا بعلمه عاملين ، وبفضله مقرّين ، وبرجحانه عليهم معترفين ، غير شرذمة من المتأخرين المتوقفين فيه ،

--> ( 1 ) القاري البغدادي ، الدر الثمين ، مصدر سابق ، ص . ص 73 - 74 - 75 .