سهيلة عبد الباعث الترجمان

112

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

كتابه " الفتوحات المكية " في مكة المشرفة على فترات ، وهو أجمع كتاب في التصوف ، بل هو أشبه بدائرة معارف في التصوف ، وكان له أثره في رجال الطريق ، فقد ضمنه أذواقه ومواجيده ومشاهداته ، وسجّل فيه مراحل سيره في الطريق ، فكان سجلا حافلا بتاريخه استقى منه أهل الطريق ، ووقفوا على أسراره ، واستند إليه المترجمون في معرفة حياته وسيرته . بدأ كتابته عقب ذهابه إلى مكة ، حيث شاهد بالطواف حول الكعبة من الأسرار والمشاهدات ما دفعه إلى اطلاع إخوانه المقرّبين إليه ، وعلى رأسهم " الشيخ أبو محمد عبد العزيز التونسي وتلميذه بدر الدين الحبشي ، فجاء بعنوان " الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية " . وهو من أربعة أجزاء ضخمة تناول فيها موضوعات في المعارف والمعاملات والمنازل والمنازلات والمقامات ، وقد اختصرها الشعراني فقال فيها : " طالعت من كتب القول ما لا أحصيه ، فما وجدت كتابا أجمع لكلام أهل الطريق من كتاب الفتوحات المكية ، لا سيما ما تكلم فيه على أسرار الشريعة وبيان منازل المجتهدين الذين استنبطوا منها أحوالهم ، فإن نظر فيه مجتهد في الشريعة ازداد علما . . . وإن نظر فيه مفسّر للقرآن فكذلك ، أو مقرىء فكذلك . . . أو عالم بالطبيعة وصنعة الطب فكذلك ، أو عالم بالهندسة فكذلك ، أو نحوي فكذلك ، أو منطقي فكذلك ، فهو كتاب يفيد أصحاب هذه العلوم أو غيرها ، علوما لم تخطر لهم على بال ، وقد أشرنا إلى نحو ثلاثة آلاف منها في كتابنا المسمى " تنبيه الأغبياء على قطرة في بحر علوم الأولياء " « 1 » . ويقول الفيروزآبادي أنه ألّفه في مكة وكتبه عن ظهر قلب ، جوابا لسؤال سأله عنه تلميذه بدر الحبشي ، وبعد فراغه من كتابته وضعه على سطح الكعبة ، فأقامه فيه سنة ثم أنز - له ، فوجده كما كان لم يبتلّ منه ورقة ولم تعبث به الرياح نظرا للطبيعة الممطرة في مكة وشدة الرياح . ولم يؤذن بنشره بين أيدي الناس وكتابته إلّا بعد ذلك " « 2 » . ومن الثابت أن الفتوحات لم تكن في بداية عهده بالتأليف ، إنما كانت في نهاية السياحات حيث انتهى من تأليفه سنة 636 ه أثناء قيامه في دمشق ، وقبل وفاته

--> ( 1 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، مصدر سابق ، المقدمة ، ص 3 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، ص 10 .