سهيلة عبد الباعث الترجمان

2

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

والدراسة التي بين أيدينا هي محاولة للكشف عن هذا الجانب الدفين في النفس البشرية وما يعمرها من الحقائق الإلهية ، وتلمّس وجودها في ثنايا تراثنا ، ذلك التراث الصوفي الإسلامي الذي عملت فيه معاول الهدم والتخريب لطمس معالمه وتغيير ملامحه الحقيقية بأيدي الجهلة ومدّعي التصوف ، ممّن ألبسوا الباطل بالحق ، وأساءوا التصرف ، وجعلوا التصوف وأهله عرضة لسهام الطاعنين ، منكرين جهودهم وفضلهم على حفظ القيم الروحية والخلقية التي يتحصن بها الإسلام ضد الانحراف الخلقي والسيطرة المادية ، متناسين لماله من دور حضاري في التحقق بالعلم الصحيح والمعرفة اليقينية التي نالوها من اللّه هبة وكرما ، وذلك لما صفت قلوبهم ، وطهرت نفوسهم ، وتنقّت أخلاقهم ، فوقفوا عند باب الحضرة الإلهية يستلهمونها العلم والمعرفة ، فانكشفت لهم الحقائق التي استغلقت مفاهيمها على من هو سواهم من أهل الفكر والنظر ، فرموهم بالكفر والزندقة والإلحاد ، غافلين عن رياضتهم الروحية ، ومجاهداتهم العملية ، وأذواقهم ومواجيدهم النفسية ، ومكاشفاتهم ومشاهداتهم القلبية ، فوصفوهم بما وصفوا به أصحاب الفكر والنظر من الفلاسفة ، بل جعلوهم متفلسفين فأضاعوا بذلك ثمرة جهودهم ومعاناتهم التي بذلوها للتحقق بالقرب الإلهي ونيل العلم منه ، ظنا منهم بأن التفلسف يرفع من شأن صاحبه ، على حين يتحقق للصوفي العلم اليقيني بالفضل الإلهي ، فيكون اللّه معلمه لكل علم ومعرفة ، بعيدا عن الشك والارتياب ، وهذا ما لا سبيل إلى إنكاره أو الشك فيه ، أو حتى الوقوف منه موقفا لا أدريا . ولما كانت لغة العموم لا تف بالتعبير عن المعاني والأذواق والمواجيد الصوفية فقد استخدم الصوفية بعض الاصطلاحات الفلسفية الشائعة في عصورهم لتقريب معناها إلى أصحاب القول المنكرين عليهم علومهم ، فاعتبرت الألفاظ هذه من باب التفلسف للجانب الروحي ، فصرفوها إلى غير معانيها ، وحمّلوها من المعاني ما لم تحتمل ، وكان لضيق أفقهم عن الإحاطة بهذا العلم أن جعلوا المتصوفين في عداد المتفلسفين وغلّطوهم في كثير من القضايا والأمور الروحية والأفكار الإلهامية وذلك لجهلهم باصطلاحهم وفهم إشاراتهم ، حتى قال فيهم من شهد لهم بالعلم والمعرفة أن كلامهم تحته رموز وروابط وإشارات وضوابط وحذف وإضافات هي في علمهم وعلم