سهيلة عبد الباعث الترجمان
3
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أمثالهم معلومة ، وعند غيرهم من الجهّال مجهولة ، من هؤلاء الصوفية الشيخان محي الدين بن عربي وعبد الكريم الجيلي . ولعلّي أبيّن فيما جئت به في رسالتي هذه " وحدة الوجود بين ابن عربي وعبد الكريم الجيلي " طبيعة هذه الوحدة في الوجود وأكون قد كشفت عن حقيقة هذا العلم الحاصل لذوي العرفان بتصفية الباطن والالتجاء إلى الحق والتوجه إليه بالتعرية والافتقار التام ، وتفريغ القلب بالكلية عن سائر التعلقات الكونية ، فأظهر بذلك حقيقة علمهما وأصالتهما فيما جاءا به ، بعد أن وقفت على حالهما وعرفت ثمرة جهودهما ، فأكون بذلك قد وفّيت هذين الشيخين حقهما فيما جاءا به من العلم الإلهي الموهوب ودور التراث الصوفي الإسلامي في تثبيت ذلك بعيدا عن تأثير المستشرقين وآرائهم المجحفة بحق المتصوفين ، وكذلك من تابعهم من الباحثين الذين وقعوا في حبائلهم ، فعمدوا إلى تشويه حقيقة التصوف وعلومه بما أوحته لهم نفوسهم من نفث أحقادهم ضده . وقد كان لطول المدة التي قضيتها في صحبة هذين الشيخين والتعمق في كتبهما والاطلاع على آرائهما أثره في صدق الظن على تصوفهما ومصدره القائم على الكتاب والسنّة ، والأخذ عن اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم مباشرة دون واسطة ، فهما من رجال اللّه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، فصدق عليهما قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وقوله : " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلّا العالمون باللّه " . كل هذه الاعتبارات حملتني على توخّي الدقة في التعبير والتبسيط والتيسير ، مع المحافظة على الحقائق كما هي واردة في النصوص ، كي تكون الدراسة موضوعية متكاملة ، لا ظهور لنزعة شخصية فيها ، مراعية لمنهجهما الذوقي الكشفي في الوصول إلى معرفة الحقيقة بعيدا عن الأدلة العقلية النظرية ، وذلك في سبيل كسر حدة المادة وإظهار فضل الروح في كشف الحقيقة التي تدور حول اللّه والإنسان والعالم ، بعيدا عن أي أثر خارجي يؤثر في الدراسة سلبا أو إيجابا ، وكان لنا في كل ذلك هدفان هما : أولا : محاولة الكشف عن حياة ابن عربي والجيلي ومنشأها الديني الذي يعبر عن عاطفة صادقة لا يخالطها أي فكر دخيل على الإسلام ، بل قوامها ما يستمد من كتاب اللّه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .