سعاد الحكيم
54
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
منهما إلى فروع عديدة متشعبة ، وهذان القسمان هما : الكتابات التي تدّون الحياة والواقع ، والكتابات التي تدّون الأفكار والنظريات . وأقول أيضا ، إن الكتابات التي تدّون للأفكار والنظريات والرؤى الفكرية ليست دائما صادقة ، بل تصدق أحيانا ، وأحيانا تتشابه في ضبابية وتغيب عن المقصود ، وبالتالي نتسلح بأدوات جبارة من الأصول لنزن بها النظريات والرؤى الفكرية . أما الكتابات التي تدّون للسيرة الذاتية أو لمشاهد من الواقع فهي - على الأغلب - صادقة ، إن تأكد لدينا صدق الراوي . 2 - لماذا السيرة الروحية ؟ يذكر الجيلي في كتابه الإنسان الكامل ، السبب الذي دعاه إلى كتابة سيرته الروحية ، يقول ( ج 2 / ص 96 ) : « إن مقام القربة هي الوسيلة ، وذلك لأن الواصل إليها يصير وسيلة للقلوب ( . . . ) إلى التحقق بالحقائق الإلهية . والأصل في هذا ، أن القلوب ساذجة في الأصل عن جميع الحقائق الإلهية ، ولو كانت مخلوقة منها ، بنزولها إلى عالم الأكوان اكتسبت هذه السذاجة ، فلا تقبل شيئا في نفسها حتى تشاهده في غيرها ، فيكون ذلك الغير لها كالمرآة أو الطابع ، فتنظر نفسها في ذلك الشيء فتقبله لنفسها ، وتستعمله كما تستعمل ذلك الشيء بحكم الأصالة . . . وقلب الولي الواصل إلى مقام القربة وسيلة الأجسام ( . . . ) إلى التحقق بالحقائق الإلهية لظهور الآثار ؛ فلا يمكن الولي أن يتحقق جسده بالأمور الإلهية إلا بعد مشاهدته كيفية تحقق ولي من أهل القربة ، فيكون ذلك الولي وسيلته في البلوغ إلى درجة التحقق . وكل من الأنبياء والأولياء وسيلتهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم » . إذن ، إن الولي الواصل إلى مقام القربة ، وهو أعلى مقام يصل إليه ولي وليس بعده إلا مقام النبوة ، يصبح للقلوب الإنسانية الخالية من الحقائق الإلهية كالمرآة . وعندما تشاهد القلوب في هذه المرآة ما تقبله لنفسها تستعمله وتسعى لتحصيله . وبناء عليه ، فقد أراد الجيلي من كتابة سيرته الروحية أن يبين للسالك كيفية تحققه ووصوله إلى مقام القربة ، لتكون روايته هذه وسيلة للسالك لبلوغ درجة التحقق . ولا ينسى الجيلي من أن يوضح بأن وسيلة كل الأنبياء والأولياء لظهور آثار الحقائق الإلهية عليهم هو محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .