سعاد الحكيم
55
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
ومن مراقبة أحوال الناس في معايشهم نؤيد الجيلي فيما ذهب إليه ، إذ تقوم - أحيانا - كتابة السيرة بوظيفة هامة في حياة المهتمين بالمجال موضوع السيرة ، وتظهر قيمتها التربوية والإنسانية في أحيان عديدة . ونظرة على رفوف المكتبات ترينا أنها تغصّ بعشرات الكتب عن السيرة الذاتية لفقراء أصبحوا من أصحاب الملايين ، أو لنكرات صاروا قادة سياسيين ، أو سيدات خرجوا من دائرة التهميش إلى حدقة الوجود . . . وهكذا . فالسيرة الذاتية تحرّض القارئ ، تحرك في داخله الرغبة في السير والإقدام ، وتكسر لديه الشعور بالقلة والضعف ، وتزرع الثقة بالنفس وبالجنس البشري . . ويهمس حديث من الأعماق : إن كان - هذا رغم ظروفه - قد وصل إلى ما نرى ، فما الذي يمنعني أنا من الوصول ؟ ! كتب الجيلي سيرته الروحية ، التي احتلت نصف مساحة قصيدته العينية ، لتكون وسيلة للآخرين لبلوغ مقام القربة . . فرأينا بدايته ، شخصا من عوام المسلمين ، المؤمنين بالغيب ، ويدل على مقامهم قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ [ آل عمران : 193 ] ؛ وشهدنا مجاهداته ورياضاته وعشقه وفناءه . . إلى أن نظر الحق عبده فدخل في عداد المحققين ، وانتسب إلى أهل القرب الإلهي ، الذين بنى اللّه أساس هذا الوجود عليهم ، وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، وهم محل نظر الحق من العالم ، بل « هم محل اللّه في الوجود » ، ولا يريد الجيلي بلفظ « المحل » الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل يريد به أن أهل القرب الإلهي هم محل ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم « 1 » وحيث أن الجيلي وصل إلى مقام القربة . وحقّ له بالتالي أن يجعل سيرته مرآة للآخرين ، فما هو مقام القربة ؟ 3 - مقام القربة : يرى الجيلي أن اللّه تعالى جعل مطلق أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم على سبع مراتب ، وهي :
--> ( 1 ) الإنسان الكامل . . . ، ج 2 ، ص ص 83 - 84 .