سعاد الحكيم

41

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )

لكأنهما يتنزّلان في قلبه . وهذا لا يعني أن الصوفي معفى من النظر في الأصول اللغوية والشرعية ، بل يعني ذلك أنه لم يستدل بالأصول لإنتاج معرفته التأويلية ، وإنما قامت هذه الأصول بدور الشاهد على التأويل ومشروعيته ، وأمدته - بعد حدوثه - بما يحتاجه من مبررات وحجج وبراهين . إذن ، الأصول - اللغوية والشرعية والعقائدية - تشّكل عند الجيلي ضوابط التأويل وشروط مشروعيته ، فلا يحق لإنسان أن يطلق عنان قلبه في قبول معان وتأويلات قبل أن يتقن علم العقيدة ويعرف ما يجوز إطلاقه على الجناب الإلهي وما هو ممنوع . . وينبّه الجيلي على الفروق الجوهرية بين التأويل وبين التشبيه والتمثيل وغيره ، موضحا أنه يحق للمتلّقي تأويل الألفاظ لتصبح دالة على اللّه ، دون أن يقع في تشبيه الحق أو تمثيله أو تسميته باللفظ المؤول . . . يقول مبينا الفروق بين التأويل والتشبيه : « الممنوع في الجناب الإلهي إنما هو التشبيه ، فلا يجوز أن تشبّه الحق بشيء ، ويجوز أن تأوّل الأشياء من حيث فهمك ، على قدر متعلقك به ؛ فإذا قال قائل : ما أحسن القمر ( . . ) مثلا : يجوز أن تأوّل ، من حيث فهمك القمر بالحق ، فتقول : ما أحسن جمال الحق تعالى ( . . . ) ، ولا يجوز أن يشبّه القمر بالحق ، لأنه يتعالى عن ذلك . فالسماع كلّه تأويل لا تشبيه » « 1 » . ويقول ، ما نفهم منه ضوابط التأويل وشروطه : « ان التعمّل [ في استجلاب التأويل ] جائز للمتواجد ( . . . ) ولكن على شرط التنزيه ، وعدم الخروج عن قيود التشريع ، من غير تشبيه ، ولا تمثيل ، ولا تسمية للفظ مما يأول به ( . . . ) فإنك إذا لازمت على ذلك يفتح اللّه لك ، حتى لا تمر بلفظة إلا ويرد عليك من فضل اللّه تعالى ما يسوغ تأويله به » « 2 » . رابعا - كتابة الجيلي : إن « الحقائق الوجودية » التي تكشفت للجيلي ، ويريد أن يشاركنا بها ، ليست من

--> ( 1 ) الجيلي ، غنية أرباب السماع ، ق 79 ظ ( نقلا عن غنيمي ص 384 ) . ( 2 ) م . ن ، ق 97 .