سعاد الحكيم
42
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
جنس المعاني التي تعبّر عنها اللغة الظاهرة وتبديها . لذلك اختار الجيلي - أسوة بغيره من الصوفية - لغة الرمز والإشارة ، مقّلبا بذلك الحقائق المراد توصيلها للأفهام بين طوري الإخفاء والإظهار . يقول في قصيدته العينية دالا على أسلوبه في الإظهار والإخفاء [ بيت 127 - 129 ] : وها أنا ذا أخفي وأظهر تارة * لرمز الهوى ، ما السرّ عندي ذائع وإيّاك أعني فاسمعي جارتي ، فما * يصرّح إلّا جاهل أو مخادع ولكنني آتيك بالبدر أبلجا * وأخفيه أخرى ، كي تصان الودائع ونتيجة لهذا الأسلوب في التعبير ، يقوم اللفظ الظاهر بدور فاعل في عملية التوصيل والكتابة ، فهو ليس حجابا وليس سدا ، وفي الوقت نفسه لا يتوجب تحطيمه للوصول إلى المعنى ، بل العكس اللفظ هو باب وستار خفيف يشف عما وراءه من المعنى . . يقول الجيلي في [ الإنسان الكامل ، 1 / ص 79 ] : « لا تكتف بظاهر اللفظ بل اطلب ما وراء ذلك » . ويتبع الجيلي هذا الأسلوب في كافّة ما يكتب ، يقول عن كتابه الإنسان الكامل ، [ ج 1 / ص 80 ] : « فجميع ما أبرزناه في هذا المسطور ( . . . ) إذ وضعنا جميعه بين رمز في عبارة وبين لغز في إشارة » . فالرمز مفتوح على تعدّدية المعنى ، والإشارة لغز تحتاج إلى التفتيش في « الذاكرة » عن حل . وفي القصيدة العينية نماذج عديدة للرموز والإشارات : الرموز من أمثال « وسرب من الغزلان » فليراجع شرح المؤلفة [ البيت رقم 13 ] . أما الإشارات فهي أكثر من أن تحصى ، ومعظمها يجد معناه بالرجوع إلى قصص « حياة الأنبياء » كما وردت في النص القرآني . . ويمكننا أن نستشف نظرية صوفية في الرمز والإشارة : فالرمز هو لفظ يأخذ معناه من نص كاتبه ، ويظل المعنى الذي يعطيه القارئ أو المتلّقي في نطاق الاحتمالات ، مثلا « الغزلان » [ البيت رقم 13 ] هو رمز من عالم الحيوان يأخذ معناه من سياقه في القصيدة ، ومن معرفتنا بتجربة الجيلي الصوفية .