سعاد الحكيم

40

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )

غالبا باستقامة القامة أو باللين ؛ فإذا كان المراد من ذكره لين حركته ، فيؤوله الناسك حينئذ بميل النفوس تارة للطاعة ، وتارة للفترة . ويسوغ أن يؤوله السالك بالمخالفات نظرا إلى ميلان الغصن . . . ويسوغ أن يؤوله المحب بالمحبوب ، فإذا كان في الجانب الإلهي أوّله باسمه القائم والقيوم ، وأمثال ذلك ، لأن البان إنما يذكر غالبا كناية واستعارة عن القامة . ويؤوله المجذوب بالأحدية » « 1 » . هذا ، ولا يحصر الجيلي التأويلات بما أورد ، ولكنه يظهرها على سبيل المثال ، وبقصد إرساء نهج التأويل بمعزل عن الجزئيات . ثالثا - التأويل الإلهامي . . فتوح التأويل : يبني الصوفية معرفتهم اليقينية على الإلهام ، على النور الذي يقذف في الصدر ؛ والجيلي يجعل التأويل الصوفي نفسه نوعا من المعرفة الإلهامية والفتوح الرباني . وبذلك يختلف عن باقي التأويلات بمصدره اللدني ، وبضرورة خضوعه إلى معايير بعديّة . فالصوفي يصرف وجه قلبه ، عند استماع « اللفظ » أو قراءته ، لا إلى معاجم اللغة ومجازها ورموزها بل إلى اللّه تعالى ، وينتظر أن يعلّمه ما لم يكن يعلم ، بمناسبة السماع أو القراءة . يقول الجيلي في كتابه غنية أرباب السماع ، ما نفهم منه أن التأويل نوع إلهام : « إعلم أن جميع ما أشرنا إليه من تأويل هذه الألفاظ [ المفردة ] ، بما أوّلناها به ، ليس بمقصور ، ولا محصور على ذلك . بل لكل كلمة من هذه الكلمات تأويلات كثيرة تفجأ عباد اللّه تعالى ، من غير تعمل ولا اجتلاب ، لأن أسماع قلوبهم مصروفة إلى باب خزائن جود اللّه تعالى ومواهبه ، فتفجأهم تلك المعاني ، من غير سابقة علم بها ، فلا تتوهم أنهم يتعلّمون ذلك من حالة الواجد » « 2 » . إن تأويل النص وفهمه هما من جملة المواهب الإلهية التي تفجأ الإنسان ،

--> ( 1 ) الجيلي ، غنية أرباب السماع ، ق 92 ظ . ( 2 ) م . ن ، نهاية الباب الأول ( نقلا عن غنيمي ص 398 ) .