سعاد الحكيم

88

المعجم الصوفي

عزل عملية خلق الانسان لصورة إلهه الذي يعبده . سمّي هذا « الاله » أو بالأحرى هذه الصورة ، ب « اله المعتقدات » . فاللّه حقيقة لا يصل إلى اعتاب اطلاقه مخلوق ، فهو المجهول 3 ، ولا يزيد نصيب العبد منه عن صورة مخلوقة ، فالانسان في الحقيقة لم يعبد سوى نفسه لان الصورة من خلقه هو . فما ثمة الا عابد وثنا 4 . ويؤكد ما ذهب اليه بهذا الحديث الشريف الذي يردده في أكثر من نص : « ان الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة ، فيقول : انا ربكم الاعلى ، فيقولون : نعوذ باللّه منك ، فيتجلى في صورة عقائد هم فيسجدون له 5 . » ولكن ابن عربي لا يترك المخلوق امام هذه النتيجة ، يدور في حلقة ذاته لا يخرج منها بفعل الايمان إلى الخالق . والا قضى على الانسان بعزلة أبدية . بل نجده بما أوتي من عبقرية في قمة البعد بين الحق والخلق يخرج من مأزق الفصل هذا بجانب من جوانب نظريته في وحدة الوجود . إذ ان « اله المعتقدات » هو مخلوق من جملة المخلوقات : اذن تجل من جملة التجليات الإلهية التي رحمها اللّه أي أوجدها 6 . واذن ، كل صورة أو معبود عبد ، هو مجلى من المجالي الإلهية ، علم العابد ذلك أم لم يعلمه ، فلا يخرج شيء عن الدائرة : فما ثمة الا ذات وتجلياتها . فكل من عبد شجرة أو نجما أو صنما فهو في الحقيقة لم يعبد سوى اللّه في مجلى من مجاليه . وهكذا يفسر ابن عربي الآية « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ 7 » ( 17 / 23 ) ولكن ابن عربي ليس من عداد الذين يكتفون بصورة أو مجلى من مجالي الألوهية يتعبدون اللّه فيه ، بل يحاول من خلال تجربته الخاصة ومراقبته لما توصل اليه السالكون إلى الحق ، ان يضع يده على العقبات ، ويطرح حلولا مناسبة . فأبرز خطأ وقع به عبدة الإله المخلوق هو انهم أصحاب عقل : فالعقل للحصر والتقييد ليس من طاقته ان يتقلب في أنواع الصور ، اي يتقلب مع تجليات الحق . على حين ان القلب يتقلب مع تجليات الحق 8 . وبذلك يخالف ابن عربي كل من سبقه من المتصوفة الذين يثبتون ان : الحق يتجلى لقلب العبد بقدر طاقته واستعداده . فالقلب عنده هو الذي يتقلب مع تجليات الحق 9 . اذن الخطوة الأولى هي في استبدال القلب بالعقل 10 ، والوصول به إلى مرتبة الكمال ، اي « القابلية المحضة » كما يشير إلى ذلك قائلا :