أنور فؤاد أبي خزام

30

معجم المصطلحات الصوفية

الدّولة أو الدين - أسباب عزّ الحضارة العربيّة - على يد المتصوّف ، ويروّجان لقيم واحدة تناصب التّصوّف العداء . إنّ النّظر إلى التّصوّف من وجهة نظر سياسيّة ، أو دينيّة ، متمرّدة على واقع مرّ ، ووفقا لمقتضيات فكرة مركزيّة واحدة تمجّد القوّة والتاريخ ، وتؤكّد على قيمة الفرد من خلال عافية الجماعة التي ينتمي إليها ، كلّ ذلك لا يمكن أن يؤدّي إلى دراسة التّصوّف دراسة وافية تحيط بجميع عناصره واعتباراته ، أو أن يعطي فكرة متكاملة ونافعة عن ماضيه وحاضره ، وعمّا يجب أن يكون عليه مستقبله ، خصوصا وأنّ التّصوّف ، بادئ ذي بدء ، موقف شخصيّ من الكون والوجود ، وحتّى من الدين ، قبل أن يكون موقف جماعة أو فرقة . لذلك فإنّ تأثيره من الوجهة النّفسانيّة أعمق أثرا من تأثيره الاجتماعيّ والسّياسيّ . ولا يمكن لأيّ دراسة حوله أن تؤخذ بعين جادّة ، ما لم يؤخذ العامل النّفسانيّ المحرّك له بعين الاعتبار . ونعود بعد ما تقدّم إلى النّظر في الطابع العامّ الذي يطبع المدافعين عن التّصوّف الإسلاميّ . إنّ الحماسة - وأحيانا الشّراسة - التي يتمّ بها هذا الدّفاع ، تشير إلى كوامن خفيّة لهموم أخلاقيّة ودينيّة ، وإلى تعصّب مفرط بأهمّيّة التّصوّف في تاريخ الإسلام ، علما بأنّ التّصوّف ليس ظاهرة دينيّة إسلاميّة خاصّة ، بل إنّ عروق التّصوّف متجذّرة في أيّ فكر دينيّ على العموم ، حتّى إنّ بعض الباحثين يربطون التّصوّف الإسلاميّ ذاته بأصول غريبة ، كالمسيحيّة ، والهنديّة ، والصينيّة ، والفارسيّة . . . الخ « 1 » . ولا يخفى عن القارئ ما يرافق دفاعات المدافعين من استجداء للّهجات الخطابيّة والتّهويل الكلاميّ ، والطّنين الشّبيه بشعر المناسبات . وهاك مثلا قرأناه في إحدى مقدّمات كتب التّصوّف التي يفترض في محقّقيها التّحلّي بالروح العلميّة والابتعاد عن التّنميق والمبالغة ، يقول المحقّق : « . . . إنّه [ التّصوّف ] إفناء هوى النّفوس وشهواتها وعواطفها وكلّ ما تحبّ ، فيما يحبّه اللّه ويريده ويأمر به ، ليعيش الصوفيّ متخلّقا بخلق اللّه . . . إنّه إذن استبدال خلق بشريّ بخلق ربّانيّ ، وذلك ارتفاع بالبشريّة لا نعرفه ولا تعرفه الدّنيا لغير الصوفيّة الإسلاميّة « 2 » » . هذه النّغمة الصارخة وهذا الأسلوب الرّنّان مع ما يرافقه من عصر للصّور اللّغويّة والاستعارات ، لا يمكنهما تمرير الدّوافع المقنعة لهذا العويل والضّجيج أمام الباحث الذي تعنيه الحقيقة لا الزّخارف . علينا أن نعترف بأنّ التّصوّف شكّل في ماضيه وحاضره ملاذا للهاربين من انضباطيّة العقل الصارمة . فالعقل يقدّم أجوبة استدلاليّة باردة لا تتلاءم وطبيعة الأمل الذي يتمسّك به المفتّشون عن حلول نجاتيّة لقلقهم الفكريّ إزاء معضلات حياتيّة ضاغطة ، كالموت ، والآخرة ، وغيرهما من الهموم المعروفة في عالم الدين والميتافيزيقا . . . لقد كانت شخصيّة الصوفيّ العميقة في الماضي ، وما زالت في بعض البيئات حتّى اليوم ، تتمتّع بمزايا أسطوريّة وترّهيّة ، وتحاط بهالة سحريّة يلفّها الغموض والقداسة ، الأمر الذي يفسّر ذلك الاحتزام بل وتلك المهابة التي صبغت أعمال معظم مفكّري الإسلام لدى تناولهم ظاهرة التّصوّف .

--> ( 1 ) را : عمر فرّوخ ، م . ع . ، ص 29 - 48 . ( 2 ) الكلاباذي ، م . ع . ، ص 2 .