أنور فؤاد أبي خزام

31

معجم المصطلحات الصوفية

لقد جذب التّصوّف كثرة من المفكّرين المسلمين في محاولاتهم المضنية التّوفيق بين العقل والنّقل ؛ فردّوا كلّ ما استعصى عليهم تبريره عقليّا إلى تجربتها الجامحة المستمدّة من « المواهب الإلهيّة » . ولقد هلّل الكثيرون من العلماء والفقهاء للحجج الدامغة المستمدّة من « خبايا » التّصوّف . على أنّنا نستدرك فنلاحظ أن ليس كلّ من لاذ بالصوفيّة قد خاض تجربة التّصوّف أو وصل بها إلى نهايتها . لقد بقيت الصوفيّة تبريرا نظريّا لدى معظمهم يستمدّ قيمته الجدليّة من مجهوليّته وضبابيّته « 1 » . ولعلّ مأساة الغزالي الفكريّة من أوضح الأمثلة على ذلك الصّنف من الهاربين من مطارق العقل التي لا ترحم . أمّا المفارقة الغريبة التي عاشها ابن سينا بين سلوكه الحياتيّ الفعليّ وتبشيره الفلسفيّ بالحكمة الإشراقيّة « 2 » ، فهي تشير إلى المدى الذي وصل إليه الاستعمال النّظريّ الازدواجيّ لشاعريّة التّصوّف عند بعض الفلاسفة المسلمين . وهناك أيضا باعث آخر لا يقلّ خطورة عن الباعث الذي تقدّم ذكره يقود الكثيرين إلى الدّفاع الأعمى عن التّصوّف . ويستظهر هذا الباعث في رسوخ القناعة لدى هؤلاء بقيم أخلاقيّة معيّنة مجّدت منذ زمن بعيد . والمعلوم أنّ القوانين والأعراف الأخلاقيّة الدارجة ، في مجتمع معيّن ، يعتبرها عادة أصحابها غير قابلة للمساومة أو التّشكيك أو التّعديل بأيّ حال من الأحوال ، فكيف إذا كانت تعزى إلى الرّغبة الإلهيّة ؟ وكيف إذا كانت المتصوّفة تبالغ في تقديسها وتطبيقها ، وتفرط في التّمسّك بأهدابها إلى أقصى الحدود الممكنة ؟ لكنّ المشكلة التي لم يستطع هؤلاء تلمّسها هي أنّ الإنسانيّة ، عبر مسارها التاريخيّ الطّويل ، قوّضت أركان الدّعائم النّظريّة لاعتقادات أخلاقيّة متصلّبة تربّعت في سلّم القيم الإنسانيّة طويلا عند بعض المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الدينيّ المتطرّف . إنّ الاتّجاه الجديد للقيم الأخلاقيّة الإنسانيّة يسير نحو أخلاق وضعيّة ، ويحشر باستمرار القيم السالفة في قطاعات اجتماعيّة متخلّفة ومغلقة آخذا بها نحو الانقراض . ولن يجدي الكلام عن شرق وغرب ، ومادّيّة وروحيّة ، وإلحاد وتديّن ، إلى آخر المعزوفة المعروفة ، في وقف عجلة تدهور العالم القديم بكلّ ما يحمله مهما حاول البلغاء والخطباء استعمال الصّراخ والعويل الأدبيّ المتوافر لتجميد الأطر القديمة . وما تغيّر أساليب السّلوك وابتعاد الأجيال الجديدة باستمرار عن الأنماط السابقة ، إلّا صورة حيّة لواقع التّطوّر الإنسانيّ المستديم . خلاصة القول أنّ بعض المدافعين عن التّصوّف ، المتذرّعين بالأخلاق والروحانيّة ، لا يمكن إعفاؤهم من تهمة الاستناد إلى مرتكزات فكريّة عفا عليها الزّمن ، واستعمال أسلحة بالية تجسّد حالة مؤسفة من التّخلّف والجهل . وتبقى أخيرا المحاولات الجديدة لدراسة التّصوّف من خلال مناهج التّحليل النّفسيّ ، وتجارب علم النّفس . وهذه المنهجيّة وثيقة الصّلة بالتّفكير العلميّ الموضوعيّ المعتمد حديثا من قبل بعض المفكّرين المعاصرين . لكنّنا نقول ، إنّ تعريض التّصوّف للدّراسات السيكولوجيّة يقوده إلى نتائج بائسة . فالتّصوّف يتمتّع بجميع الأعراض والمظاهر التي يتمتّع بها المرض النّفسيّ ولو بشكله

--> ( 1 ) ماجد فخري ، تاريخ الفلسفة الإسلاميّة ( بيروت ، الدار المتّحدة للنّشر ، 1979 ) ، ص 238 وما بعدها . ( 2 ) عن تصوّف ابن سينا ، را : كتاب تسع رسائل في الحكمة والطّبيعيّات ( القاهرة ، 1908 ) ، ص 67 . را : علي زيعور ، في التّجربة الثالثة للذات العربيّة مع الذّمّة العالميّة للفلسفة ( بيروت ، دار الأندلس ، ط 1 ، 1984 ) ، ص 53 .