أنور فؤاد أبي خزام
29
معجم المصطلحات الصوفية
ذلك يجعل من دراسته دراسة علميّة أمرا بالغ الصّعوبة ، ولا يبشّر بنتائج إيجابيّة لمدى جدواه . وحجّة المهاجمين الرّئيسيّة هي أنّ التّصوّف ظاهرة سلبيّة تضرب الأمم والشّعوب في مراحل تفكّكها وانهيارها . ولذلك ينغلق المتصوّف على نفسه بانطوائيّة واستكانة ذليلة ، ويسوح في دنيا من اختراع أوهامه وخيالاته ، الأمر الذي يبعده بالتالي عن أيّ عمل مجد وفعّال قد يقوده إلى تحسين الأوضاع المتردّية التي يتخبّط فيها وطنه ومجتمعه . الاعتبار الرّئيسيّ الأوّل للهجوم على التّصوّف هو أنّ جميع الذين يتألّمون من الهزائم والانحسارات لدول كانت تتمتّع بمجد سياسيّ وحضاريّ ثمّ فقدته ، يرون في هذا النّمط السّلوكيّ - التّصوّف - أحد أسباب الكارثة ، أو على أقلّ تعديل ، أحد أسباب بقائها واستمرارها . ولا يفتأون عن تشبيه التّصوّف بالمرض الاجتماعيّ ، وفي أحسن الظّروف ، بنوع من التّورّم الخبيث في الشّعور الدينيّ المبالغ فيه « 1 » . يضرب هذا المرض - حسب زعمهم - رؤوس مفكّري الأمّة . فيكثر الشّعر والرّومانسيّة ، وتضمحلّ إرادة تطوير العيش ، وامتلاك القوّة ، والسّعي من أجل التّغيير نحو الأفضل . والنّتيجة المتوقّعة ، في حال سيطرة هذا الأسلوب ، هي التّقهقر السّياسيّ والمدنيّ والضّعة الاجتماعيّة ! وغنيّ عن البيان أنّ مهاجمة التّصوّف بهذا الشّكل القاسي ، يتمّ من قبل مفكّرين يعطون الأفضليّة والصّدارة للدّولة ، ولمعاني الفخر والقوّة في المجتمع القوميّ . إنّ همومهم بالدّرجة الأولى هموم سياسيّة . وهذه الهموم تؤدّي إلى اعتبار أنّ القيمة الأولى للفرد رهينة بما يقدّمه للدّولة والمجتمع من خدمات . وهي ، وإن أصابت في تحليل بعض مواطن الضّعف والسّلبيّة في ظاهرة التّصوّف ، ولا سيّما من وجهة النّظر القوميّة ، أو من الشّعور الضاغط بمرارة التّخلّف والانحطاط لدول سبقها قطار الحضارة والعلم منذ زمن طويل ، لكنّها تبقى غائبة عن أعماق الشّعور الذاتيّ للمتصوّف . فالنّفسانيّة الصوفيّة وما يختلج فيها من أحاسيس ومشاعر لا يحسب لها حساب . والمتصوّف الذي يعاني ويقلق ، ويبتدع الحلول لمشاكله الشّخصيّة ، الخارجيّة والداخليّة ، متوسّما في هذه الحلول الطّمأنينة والسّعادة والرّضى ، لا يلقى إليه بال . لذلك نجد أنّ مهاجمة التّصوّف من هذه المنطلقات ، لا تعفي الفريق المهاجم من تهمة النّظر بعين واحدة مشحونة إلى التّصوّف والمتصوّفين . أمّا الاعتبار الرّئيسيّ الثاني ، الذي يرتكز عليه المهاجمون للتّصوّف ، فهو القول بأنّ التّصوّف يغزو الشّعوب في مرحلة التّفكّك أو الانهيار وبدء الانحطاط . . وهذا الاعتبار - برأينا - يفتقر للدّقّة ، لأنّ التّصوّف الإسلاميّ عاصر الحضارة العربيّة الإسلاميّة منذ نشأتها ، ورافق كلّ مراحل تطوّرها . لقد عاش ، بدون شكّ مجدها وبؤسها . فهو في الحقيقة ، وكما ذكرنا آنفا ، عنصر من عناصرها الأساسيّة وسمة من سمات شخصيّتها الدينيّة والفلسفيّة والعلميّة . أمّا المهاجمون للتّصوّف بحجج وذرائع دينيّة ، متّهمين المتصوّفة بالخروج عن جادّة الدين القويم ، وأصول الإسلام ، وبالتالي تقويض دعائمه وإيصال المريدين إلى الكفر والزّندقة ، فإنّ اعتباراتهم ومخاوفهم لا تختلف عن اعتبارات ومخاوف أصحاب الهموم السّياسيّة . فالاثنان ينعيان
--> ( 1 ) ALOYS SPRENGER , Abdu - R - RAZZAQ'S Dictionary , ( Calcuta , 1845 ) , The Preface , p . V .