السيد محمد حسين الطهراني

14

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

المدة المديدة في أسفاري التي كانت تحصل مرّة أو مرّتين في السنة وتدوم شهرين أو ثلاثة ، فأرد منزله في كربلاء واعَدُّ من عياله وأولاده ؛ لكنّه مع ذلك رحل ، وبعد رحيله فقد بَقِيتُ حتّى يومي هذا تلفّني الحيرة ويكتنفني الحياء ، خاضعاً مطأطئاً أمام ذلك الشموخ والرفعة وذلك المقام وتلك الجلالة . لقد عَجَزَتِ الألفاظ عن وصفه ؛ فما ذا أقول في رجلٍ وقفتْ أمامه الكلمات حيرى وأكلَّ الواصفين عن وصفه ناهيك عن إدراكه ؟ ! لذا ، لم يُذكَر اسمه في كُتُب الحقير ولم يجرِ فيها التطرّق إلى شرح حاله ، حتّى في كتاب « الشمس الساطعة » الذي الِّفَ في ذكرى الأستاذ الكبير سماحة آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله سرّه ، وقد تطرّق الحديث فيه مفصّلًا عن حالات سماحة القاضي وأحوال بعض تلامذته ، بل ذُكِرَ فيه أسماء تلامذته بالترتيب دون اسم السيّد هاشم ! فلِمَ يا ترى ؟ ! ولأيّ سبب ؟ ! ذلك لأنّه كان يستعصي على القلم فلا يحيط به ؛ فقد كان صقراً محلِّقاً بعيد المدى لا ترقى إليه الأفكار والعقول في أوج تحليقها . ومهما جَهَدَتْ في اللحاق به رأته أسمى وأعلى وأفضل وأرقى ؛ فيرجع الفكر خاسئاً والبصر ذليلًا والبصيرة كليلة ، وتبقى حيرى لا تعرف يمنة عن يسرة ولا فوقاً من تحت ولا أماماً من خلف . فكيف - يا ترى - يمكن للمحدود بالجهات والتعيّنات وصفَ روحٍ مجرّد يحاول إخضاعه لقالب معيّن ، فيدور حوله ليصفه ويبيِّن حاله ؟ ! ونلحظ هنا روعة ووضوح كلام الملّا الروميّ الذي يتربّع على منصّة الحقيقة ويجد مصداقه في الخارج :