السيد محمد حسين الطهراني

323

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

قوله في الباب الثامن عشر وثلاثمائة ما لفظه : . . . فَمَا ثَمَّةَ شَارِعٌ إلَّا اللهُ . قَالَ اللهُ تعالى لِنَبِيِّهِ : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أرَاكَ اللهُ » [ 1 ] ، وَلَمْ يَقْلُ لَهُ بِمَا رَأيْتَ . بَلْ عَاتَبَهُ سُبْحَانَهُ لِمَا حَرَّمَ على نَفْسِهِ بِاليَمِينِ في قِصَّةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعلَا : « يَا أيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزْوَاجِكَ » . 2 وَكَانَ هَذَا مِمَّا أرَتْهُ نَفْسُهُ فَلَوْ كَانَ هَذَا الدِّينُ بِالرَّأيِ لَكَانَ رَأيُ النَّبِيّ أوْلَى مِنْ رَأيِ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ - إلى أنْ قَالَ في بَابٍ آخَرَ مِنْهُ : 3

--> 1 - مقطع من الآية 105 ، من السورة 4 : النساء : إنَّآ أنزَلْنَآ إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً . 2 - صدر الآية 1 ، من السورة 66 : التحريم . 3 - « الفتوحات المكّيّة » ج 3 ، ص 68 إلى ص 72 ، طبعة دار الكتب العربيّة ، الباب 318 ، وعنوان الباب هو : في مَعْرِفَةِ مَنْزِلِ نَسْخِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَغَيْرِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالأغْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ عَافَانَا اللهُ وَإيَّاكُمْ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ . وندعو القرّاء الأعزّاء وخاصّة الطلّاب إلى مطالعة هذا الباب ، لاحتوائه على مطالب مفيدة جدّاً وُفق آراء الشيعة والمذهب الجعفريّ في عدم صحّة العمل بالرأي ؛ فهو يثبت بشكل عامّ أنّ علّة ظهور العمل بالرأي متابعة فقهاء العامّة من عبدة الدنيا لأهواء الخلفاء والحكّام في عصرهم . من بينها قوله : وَاعْلَمْ أنَّهُ لَمَّا غَلَبَتِ الأهْوَاءُ على النُّفُوسِ وَطَلَبَتِ العُلَمَاءُ المَرَاتِبَ عِنْدَ المُلُوكِ تَرَكُوا المَحَجَّةَ البَيْضَاءَ وَجَنَحُوا إلى التَّأوِيلَاتِ البَعِيدَةِ لِيَمْشُوا أغْرَاضَ المُلُوكِ فِيمَا لَهُمْ فِيهِ هَوَى نَفْسٍ لِيَسْتَنِدُوا في ذَلِكَ إلى أمْرٍ شَرْعِيّ ، مَعَ كَوْنِ الفَقِيهِ رُبَّمَا لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَيُفْتِي بِهِ . وَقَدْ رَأيْنَا مِنْهُمْ جَمَاعَةً على هَذَا مِنْ قُضَاتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ . وَلَقَدْ أخْبَرَنِي المَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ المَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أيُّوبَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ في مِثْلِ هَذَا كَلَامٌ ، فَنَادَى بِمَمْلُوكٍ وَقَالَ : جِئْنِي بِالحَرْمَدَانِ . فَقُلْتُ لَهُ : مَا شَأنُ الحَرْمَدَانِ ؟ ! قَالَ : أنْتَ تُنْكُرُ عَلَيّ مَا يَجْرِي في بَلَدِي وَمَمْلَكَتِي مِنَ المُنْكَرَاتِ وَالظُّلْمِ ، وَأنَا وَاللهِ أعْتَقِدُ مِثْلَ مَا تَعْتَقِدُ أنْتَ فِيهِ مِنْ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُنْكَرٌ وَلكِنْ وَاللهِ يَا سَيِّدِي ، مَا مِنْهُ مُنْكَرٌ إلَّا بِفَتْوَى فَقِيهٍ وَخَطِّ يَدِهِ عِنْدِي بِجَوَازِ ذَلِكَ ، فَعَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللهِ . وَلَقَدْ أفْتَانِي فَقِيهٌ هُوَ فُلَانٌ - وَعَيَّنَ لِي أفْضَلَ فَقِيهٍ عِنْدَهُ في بَلَدِهِ في الدِّينِ وَالتَّقَشُّفِ - بِأنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيّ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذَا بِعَيْنِهِ ، بَلِ الوَاجِبُ عَلَيّ شَهْرٌ في السَّنَةِ وَالاخْتِيَارُ لِي فِيهِ أيّ شَهْرٍ شِئْتُ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ . قَالَ السُّلْطَانُ : فَلَعَنْتُهُ في بَاطِنِي وَلَمْ أُظهِرْ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ فُلَانٌ ، وَسَمَّاهُ لِي رَحِمَ اللهُ جَمِيعَهُمْ . فَلْتَعْلَمْ أنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ مَكَّنَهُ اللهُ مِنْ حَضْرَةِ الخَيَالِ وَجَعَلَ لَهُ سُلْطَاناً فِيهَا ، فَإذَا رَأى الفَقِيهَ يَمِيلُ إلى هَوَى يَعْرِفُ أنَّهُ يَرْدَى عِنْدَ اللهِ زَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ بِتَأوِيلِ غَرِيبٍ يُمَهِّدُ لَهُ فِيهِ وَجْهاً يُحَسِّنُهُ في نَظَرِهِ وَيَقُولُ لَهُ : إنَّ الصَّدْرَ الأوَّلَ قَدْ دَانُوا اللهَ بِالرَّأي وَقَاسَ العُلَمَاءُ في الأحْكَامِ وَاسْتَنْبَطُوا العِلَلَ لِلأشْيَاءِ وَطَرَّدُوهَا وَحَكَمُوا في المَسْكُوتِ عَنْهُ بِمَا حَكَمُوا بِهِ في المَنْصُوصِ عَلَيهِ لِلْعِلَّةِ الجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا ؛ وَالعِلَّةُ مِنِ اسْتِنْبَاطِهِ . فَإذَا مَهَّدَ لَهُ هَذِهِ السَّبِيلَ جَنَحَ إلى نَيْلِ هَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيّ في زَعْمِهِ ، فَلَا يَزَالُ هَكَذَا فِعْلُهُ في كُلِّ مَا لَهُ أوْ لِسُلْطَانِهِ فِيهِ هَوَى نَفْسٍ وَيَرُدُّ الأحَادِيثَ النَّبَوِيَّة . إلى آخر ما أفاده ؛ والحقّ أنّه أجاد فيما قال .