السيد محمد حسين الطهراني

305

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

والعرفان ، تتمثّل في رعاية آثار وقبور العلماء المتّقين والمحافظة على قبور وأسماء وعلائم الحكماء والعرفاء بالله . ولو اهمل هذا الأمر المهم - لا سمح الله - فإنّ علينا انتظار عذاب الله . إنّ الله سبحانه حين يريد إنزال نقمته بقوم فإنّه يرفع آثار رحمته واسم أوليائه من بينهم ؛ ولقد رأينا أخيراً في تعاليم الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام لزكريّا بن آدم أنّه قال له حين استأذنه بالخروج من قم : لا تفعل ! فإنّ أهل بيتك يُدفع البلاءُ عنهم بك كما يُدفع البلاءُ عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظم عليه السلام . [ 1 ] إنّ هناك بيننا الكثير من هذه الأرواح الطيّبة والمجاهدة في سبيل الله بالجهاد الأكبر ، والأحرار في عالم التوحيد لا نفطن لقدْرهم وقيمتهم ، ولا نسعى لحفظ آثارهم وتعاهد قبورهم ؛ في حين أنّ كلًّا منهم دُرّة وجوهرة ثمينة لا نظير لها ، بل هم أعلى من أن يُقيَّموا بشيء ، يزيد قدْرهم وقيمتهم على الدنيا والآخرة معاً . وهكذا فإنّ القحط والشحّة ، والسيول المفاجئة ، والزلازل المدمّرة ، والحروب بلا داع وبلا أساس ، والإسراف والترف والإفراط بلا سبب الذي يجرّ الإنسان إلى الطغيان ، هي كلّها نتيجة وردّ فعل لنكران الجميل هذا ، ولهذا الأسلوب من إهانة المقدّسات العلميّة والدينيّة والآثار المذهبيّة والإسلاميّة - للتشيّع [ 2 ] ؛ هذه المصائب التي يتحيّر لها الإنسان عند حلولها

--> 1 - مرّ ذكره ، نقلًا عن كتاب « هديّة الزائرين » للمرحوم الحاجّ الشيخ عبّاس المحدِّث القمّيّ أعلى الله مقامه . 2 - يقول أمير المؤمنين عليه السلام كما ورد في « نهج البلاغة » : لَا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أمْرِ دِينِهِمْ لِاسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمْ مَا هُوَ أضَرُّ مِنْهُ . ( الحكمة 106 ، وفي طبعة مصر وتعليق الشيخ محمّد عبده : ج 2 ، ص 161 ) . ويقول محيي الدين بن عربي في كتابه « محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار » ج 2 ، ص 166 ، الطبعة الأولى ، مطبعة السعادة ، مصر ، سنة 1324 ه - . ق . قال الشاطبيّ : كان سبب موت هذا السيّد [ عليم بن هاني العمريّ ] أنّه اضطرّ إلى الاجتماع بالسلطان في نازلة نزلت به فسار إليه . فلمّا جاء البلد الذي فيه السلطان ، خلا بنفسه في ليلة جمعة فصلّى بسورة فيها سجدة ، فلمّا سجد سأل ربّه الموت وأن لا يجتمع بالسلطان فانقطع كلامه وهو ساجد فرفع وهو كذلك فلبث يومين وهو لا يتكلّم ومات . وكان هذا الشيخ قد نهبت داره فجعل يبكي ، فاجتمع إليه الفقهاء والأدباء يصبّرونه ويهوّنون عليه ما جرى ، فقال لهم : ما أبكي لما جرى من ذهاب الدنيا لكن فيما روي عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم أنّه قال : مَا اسْتَخَفَّ قَوْمٌ بِعالِمِهِمْ وَانْتَهَكُوا حُرْمَتَهُ إلَّا سُلِّطَ عَلَيهِمُ العَدُوُّ . وتُوفّي الشيخ من عامه كما ذكرنا وسُلّط العدوّ على البلد في العام الذي بعده فأخذهم شرّ أخذة وبقوا حديثاً شنيعاً على وجه الدهور ، على أنّه كان لهم عدد عظيم ومدد جسيم فلم يغن عنهم ذلك الأشياء وظهر فيهم ما ذكره الشيخ رضي الله عنه .