السيد محمد حسين الطهراني

146

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

وقد ذكرنا أنّه كان يقول : ما أشبهني بقشّة تبن تدور في فضاءٍ لا يتناهى ، بلا اختيار منّي أو إرادة ، وإنّني أخرج أحياناً من نفسي كالحيّة التي تلقي بجلدها ، فليس في إلّا هذا الجِلد . أتعلمون ما الذي كان يريد قوله في هذه الجملة القصيرة ؟ ! إنّ الحيّات تبدّل جلودها كلّ سنة بشكل طبيعيّ ، أي أنّها تخرج من جِلدها السابق ، وإذا ما نظرتم إلى ذلك الجلد لرأيتم حيّة كاملة لها رأس وبدن وذيل ، كما أنّ لون جسمها ونقوشه وتعرّجاته يماثل ما كان للحيّة السابقة ، ولربّما يتصوّر الإنسان في البدء أنّ هذا الجلد حيّة حقيقيّة ، لكنّه حين يخطو إلى الأمام ويضع يده عليه يتّضح أنّه لم يكن إلّا جلداً وأنّ الحيّة قد خرجت منه . لقد كان سماحة الحدّاد يقول : إنّ مثَلي كذلك ، فلقد كنت أتخطّى نفسي وأخرج منها فأذهب إلى مكان آخر . أي : أنّني - أنا الذي خرجت منها - الحدّاد بجميع شؤونه من البدن والأفعال والأعمال والذهن والفعل وكلّ الآثار ولوازمها ، مع أنّها موجودة وتقوم بأعمالها الطبيعيّة كالعبادات والمعاملات والاتّصالات والنوم والأكل والعلوم الذهنيّة التفكيريّة والعلوم العقليّة الكلّيّة والعلوم القلبيّة المشاهديّة ، وبدون أيّة ذرّة من التغيّر ، فهي بأجمعها موجودة في مكانها ، لكنّني لم أعد موجوداً فيها ؛ لقد خرجت منها . أي إنّ جميع هذا البدن وآثاره وجميع علومه الذهنيّة والعقليّة والقلبيّة وآثارها وجميع قدراته وجميع أنحاء حياته تصبح كجلد الحيّة ، وليست بأجمعها مقابل حقيقتي إلا جلداً فقط ، في حين أنّ حقيقتي التي يُقال لها « أنا » في مكانٍ آخر . فأين ذلك المكان الآخر يا تُرى ؟ ! من المسلّم أن يكون مكاناً أفضل وأعلى وأرقى من الجزئيّة والكلّيّة التي هي موطن البدن والمثال والعقل ،