السيد محمد حسين الطهراني

48

معرفة الإمام

وكلّما حاولت أن أنتخب فصولًا خاصّة من تلك البدائع لم أطق ، لأنّي أجدها كلّها منتخبة ، وأن أقتطف من كلّ روضة زهرتها اليانعة لم أستطع ، لأنّي أراها كلّها وردة واحدة في اللون والعرف . فما رأيتُ إلّا أن أذكر من كلّ فصل أوّله ، وأشير إلى شيءٍ منه ، والفصول أربعة : - 1 - تفصيل الجنين والطفل الرضيع قال عليه السلام بعد أن ذكر عمي الملحدين وأسباب شكّهم وتهيئة هذا العالَم وتأليف أجزائه وانتظامها . نبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به ! فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة . « 1 » حيث لا حيلة عنده في طلب غذاه ، ولا دفع أذًى ، ولا استجلاب منفعة ، ولا دفع مضرّة . فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات . فلا يزال ذلك غذاءه حتى إذا كمل خلقه ، واستحكم بدنه ، وقوي أديمه على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء ، هاج الطلق بامّه فأزعجه أشدّ إزعاج وأعنفه حتى يولد . وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امّه إلى ثديها . فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء ، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم ، فيوافيه في وقت حاجته إليه . فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه طلباً للرضاع . فهو يجد ثدي امّه كالأداوتين « 2 » المعلّقتين لحاجته إليه ، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء ليّن الأعضاء ، حتى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه طلعت له الطواحن

--> ( 1 ) - المشيمة كيس لحميّ يكون فيه الجنين ، وهو بمنزلة الثوب له . ( 2 ) - الإداوة : بكسر ففتح - إناء صغير من جلد يتخذ للماء ، جمعه أداوى .