السيد محمد حسين الطهراني

267

معرفة الإمام

معاوية في اقتفاء الحقّ من أتباعهم فاعصوصبوا عليه واستماتوا دونه ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقعوا في افتراق الكلمة التي كان جمعها ، وتأليفها أهمّ عليه من أمرٍ ليس وراءه كبير مخالفة . إلى أن يقول : وهذا كلّه إنّما حمل عليه منازع المُلك التي هي مقتضى العصبيّة . فالمُلك إذا حصل ، وفرضنا أنّ الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحقّ ووجوهه لم يكن في ذلك نكيرٌ عليه . . . . « 1 »

--> ( 1 ) - يرفض الدكتور أحمد أمين المصريّ في كتاب « يوم الإسلام » ص 65 إلى 67 بشدّة الاستبداد بالخلافة وجعلها مُلكاً وتبديلها إلى إمارةٍ وراثيّة مستبدّة على هوى معاوية . وله حديث طويل حول كيفيّة افتراق الحكومة الإسلاميّة بلغ به إلى قوله : . . . لا سيّما بعد أن قالوا بحرمة الاجتهاد ووقفوا عند حدٍّ محدود من الفروع . وهذا ما جعل ذلك الضعف الكامن ينمو في جسم الامّة نموّاً جعلها تأنس بحياة السكون والاستسلام ، وتعطي أزمّتها إلى الامراء والحكّام حتى في عصر زال فيه الاعتقاد بوجوب الطاعة العمياء للُامراء وجوباً دينيّاً . ومع هذا الخلاف الشديد بين المسلمين فقد استطاع معاوية وأهل بيته من الأمويّين أن يقضوا على هذه الخلافات بشتّى الوسائل ويؤسّسوا إمبراطوريّة من أوسع الإمبراطوريّات تعلو فيها مآذن المساجد في الهواء ، ويؤذّن المؤذّنون فيملأون الجوّ بأذانهم وبذلك اتّسعت رقعة العالم الإسلاميّ فاستولوا على أكثر الأندلس وفتحوا عدداً من المدن في جنوبي فرنسا . وفي تمام المائة سنة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله كان العرب يحكمون مملكةً واسعة أكبر من المملكة الرومانيّة تمتدّ من حدود الصين إلى شلّالات النيل السفلي ، ومن الجنوب الغربيّ في اوروبّا حتى غربي آسيا وأواسطها . وعاصمة هذه المملكة دمشق كما استطاعوا أن يغيّروا أكبر مظهرين من مظاهر المملكة وهما : تحويل الدواوين إلى عربيّة وتخلّصهم من الدخلاء الذين كانوا يضطرّون إليهم في تدوين الدواوين . والثاني : صكّ النقود . وقد ظلّوا طوال هذه العهود يتعاملون بالنقود الرومانيّة والفارسيّة . فلمّا اطمأنّوا واتّسع ملكهم بدءوا يصكّون نقودهم بأنفسهم . وبذلك أصبحت هذه المملكة الواسعة مملكة بمعنى الكلمة . وقد بلغت هذه المملكة أقصى سعتها في هذا العصر الأمويّ ثمّ أخذت تنشقّ قليلًا قليلًا في العصر العبّاسيّ وفيما بعد ذلك من عصور . وبمعاوية انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضوض . والفرق بينهما أنّ الخلافة أساسها اقتفاء أثر الرسول صلّى الله عليه وآله والاعتماد في حلّ المشاكل على شورى أهل الحلّ والعقد واختيار الخليفة منهم حسب ما يرون أنّه الأصلح . أمّا الملك فيشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم ، واستبداد بالرأي وقصر الخلافة على الأبناء أو الأقرباء ولو لم يكونوا صالحين لذلك . وهذا كلّه ما فعله معاوية . ونموذج الخلافة ما قاله الأعرابي لعمر : لَوْ رَأيْنَا فِيكَ اعْوِجَاجاً لَقَوَّمْنَاهُ بِسُيُوفِنَا . ونموذج الملك ما قاله عبد الملك بن مروان : مَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ هَكَذَا قُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا ! والحقّ أنّ معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار ، ثمّ استبدّ بتسيير الأمور .