السيد محمد حسين الطهراني
253
معرفة الإمام
والاستكانة للّه تعالى ، فلا بدّ أن يحمل أدعيته وأنّاته المؤلمة الممضّة على أنّها كانت من أجل تعليم الناس وتمرينهم ، ويفسّرها أخيراً بالأمور الاستهزائيّة التهكّميّة ! ويترتّب على هذا التفكير عدد من الأضرار الموبقة : أوّلًا : سيكون قد أعمى بصيرته التي يرى بها الحقّ ، فيكون قد رأى الباطل حقّاً ، والحقّ باطلًا . ولم يَرَ الواقع كما هو أهله ، بل رآه شيئاً آخر . ثانياً : سيكون قد قطع علاقته بالإمام ، لأنّه لا يتَّبع الإمام الحقيقيّ . ثالثاً : وسيكون قد أسقط نفسه من مرحلة العمل والمجاهدة والتنقيب ، لأنّه إذا لم يجرِ على لسانه شيء ينطق به ، فإنّه يقول في باطنه حتماً : إنّ ما نُقل عن الأئمّة من العبادات والإيثار والعلوم والإدراكات ، والصفاء وطُهر الفطرة ، والدخول في جنّات تجري من تحتها الأنهار هو لهم لا لنا ، وما يعنينا ؟ ! نحن أهل عالم الطبيعة ، وأسرى الحواسّ الطبيعيّة وصرعى الغرائز النفسانيّة ، وعفريت الجهل وجموح النفس ، فشتّان ما بيننا وبينهم ! ولمّا خلق الله - منذ الأزل - وجودهم نورانيّاً مجرّداً لطيفاً ، ووجودنا ظلمانيّاً مادّيّاً ملوّثاً ، وجعلهم سعداء وجعلنا أشقياء ، فإنّنا مهما سعينا فلن نبلغ درجتهم ! فلنقرّ عيناً - إذاً - ولنخلد إلى الراحة ، ولنعصِ الله ، فهو الذي خلقنا هكذا وخلقهم كذلك ! رابعاً : سيكون الإمام هو المقتدى والقائد والرائد ، والمأموم هو التابع والمقتصّ الأثر والمقود ، فإذا قُدِّر لنا أنّنا لا نستطيع أن نسير وراء الإمام ، وإن كان ذلك في حالة واحدة فحسب ، فحينئذٍ لا يبقى معنى للإمام والمأموم ، وتنقطع العلاقة ، وتتبدّد سلسلة الولاية ، لما ذا ؟ ! لأنّ الإمام لم يستطع هناك أن يأخذنا معه متّبعين إيّاه . وعجز أن يكون قائدنا . ولمّا كانت الإمامة ثابتة له في جميع الأمور ، فإنّه يقتادنا معه إلى المكان الذي يمّمه ، أي : مقام التوحيد والعرفان الذاتيّ والاندكاك في الأنوار الإلهيّة