السيد محمد حسين الطهراني

236

معرفة الإمام

بالكوفة أيّام أبي السرايا فولّوه عليها . قال المامقانيّ : أشار بقوله : في لسانه فضل إلى كونه مزّاحاً بلسانه . ومراده من كونه زيديّاً أنّه يذهب مذهب الزيديّة في الخروج ، لا أنّه يعتقد إمامة الخارج كما هو مذهبهم . ولكن كفى بخروجه وقتله وحرقه مسقطاً له ، فضلًا عن منادمته للخلفاء وحضوره معهم في مجالسهم المشهورة ، فلا اعتماد على خبره . نعم ، قد أمرنا بعدم التعرّض لذرّيّتهم وعدم الانتقاص لأحدٍ منهم . وورد عنهم عليهم السلام أنّهم قالوا : إنَّا أهْلُ بَيْتٍ لَا يَخْرُجُ أحَدُنَا مِنَ الدُّنْيَا حتى يُقِرَّ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ بِفَضْلِهِ . « 1 » كيفيّة خروج زيد بن عليّ عليه السلام وأمّا زيد بن عليّ الشهيد ، « 2 » فالأخبار الواردة في مدحه والثناء عليه

--> ( 1 ) - « تنقيح المقال » ج 1 ، ص 471 . ( 2 ) - نقل السيّد على خان المدنيّ في « رياض السالكين » ص 8 و 9 ، الطبعة الحجريّة الرحليّة ، سنة 1334 ، وفي الطبعة الحديثة لجماعة المدرّسين : ج 1 ، ص 73 إلى 75 ، كلام الشيخ المفيد حول زيد بن عليّ عليهما السلام ، ثمّ قال : وقال أهل التأريخ : كان السبب في خروجه وخلعه طاعة بني مروان أنّه وفد على هشام بن عبد الملك شاكياً من خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم ، أمير المدينة فجعل هشام لا يأذن له . وزيد يرفع إليه القصص . وكلّما رفع إليه قصّة ، كتب هشام في أسفلها ! ارْجِعْ إلى أرضك ! فيقول زيد : والله لا أرجع إلى ابن الحرث أبداً . ثمّ أذِن له بعد حبس طويل . فلمّا قعد بين يديه ، قال له هشام : بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها ! ولستَ هناك لأنّك ابن أمة ، فقال زيد : إنّ لك جواباً ! قال : تكلّم . قال : إنّه ليس أحد أولى بالله من نبيّ بعثه ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، وهو ابن أمة قد اختاره الله لنبوّته ، وأخرج منه خَيْرَ البَشَرِ ، فقال هشام : فما يصنع أخوك البقرة ؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه . ثمّ قال : سمّاه رسول الله الباقر وتسمّيه أنت البقرة ! لشدّ ما اختلفتما ! ولتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنّة وترد النار . فقال هشام : خذوا بِيَدِ هذا الأحمق المائق ( شديد الغيظ والغضب ) فأخرجوه ! فأخرج زيد واشخص إلى المدينة ومعه نفر يسير حتى طردوه عن حدود الشام . فلمّا فارقوه عدل إلى العراق ودخل الكوفة . فبايعه أكثر أهلها ، والعامل عليها وعلى العراق يوسف بن عمر الثقفيّ فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ . وخذل أهل الكوفة زيداً وثبت معه ممّن بايعه نفر يسير ، وأبلى بنفسه بلاءً حسناً وجاهد جهاداً عظيماً حتى أتاه سهم غرب فأصاب جانب جبهته اليُسرى فثبت في دماغه ، فحين نزع عنه مات . وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة إحدى وعشرين ومائة ، وله اثنان وأربعون سنة ، ثمّ صُلب جسده الشريف بكناسة الكوفة أربعة أعوام ، فسدّت العنكبوت على عورته . وبُعث برأسه إلى المدينة ونُصب عند قبر النبيّ صلى الله عليه وآله يوماً وليلة . وعن جرير بن أبي حازم قال : رأيت النبيّ صلى الله عليه وآله في المنام كان مستنداً إلى خشبة زيد بن عليّ وهو يقول : هكذا تفعلون بولدي ؟ ! ولمّا هلك هشام ، وولّى بعده الوليد بن يزيد ، كتب إلى يوسف بن عمر : أمّا بعد ، فإذا أتاك كتابي فاعمد إلى عجل أهل العراق فَحرِّقه ثُمَّ انْسِفْهُ في اليَمِّ نَسْفاً ! فأنزله وحرّقه ثمّ ذرّاه في الهواء . ولمّا قال الحكم بن عبّاس الكلبيّ : صَلَبْنا لَكُمْ زَيْداً عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ * وَلَمْ أرَ مَهْدِيَّاً على الجِذْعِ يُصْلَبُ فبلغ قوله الصادق عليه السلام ، رفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال : اللهُمّ إن كان عبدُكَ كاذِباً فَسَلِّطْ عليه كَلْبَكَ ! فبعثه بنو اميّة إلى الكوفة فافترسه الأسد واتّصل خبره بالصادق عليه السلام فخرّ ساجداً وقال : الحمدُ للّهِ الذي أنجز لنا ما وَعدنَا . * * - « بحار الأنوار » ج 46 ، ص 192 .