السيد محمد حسين الطهراني

15

معرفة الإمام

فلمّا أمر الله تعالى بكتابة الدَّين حفظاً له ، واحتياطاً عليه ، وإشفاقاً من دخول الريب فيه ، كان العلم الذي حِفْظُهُ أصعب من حِفْظِ الدَّين أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه . بل كتابة العلم في هذا الزمان مع طول الإسناد ، واختلاف أسباب الرواية أكثر حاجة للحفظ . ألا ترى أنّ الله عزّ وجلّ جعل كتابة الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم عوناً عند الجحود ، وتذكرةً عند النسيان ؟ ! وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها ؟ ! فمن ذلك أنّ المشركين لمّا ادّعوا بهتاناً اتّخاذ الله سبحانه بناتٍ من الملائكة أمر الله نبيّنا صلى الله عليه وآله أن يقول لهم : فَأتُوا بِكِتَابِكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ . « 1 » ولمّا قالت اليهود : مَآ أنزَلَ اللهُ على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ، « 2 » وقد استفاض عنهم قبل ذلك الإيمان بالتوراة ، قال الله تعالى لنبيّنا صلى الله عليه وآله : قل لهم : مَنْ أنزَلَ الْكِتَابَ الذي جَآءَ بِهِ موسى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا . فلم يأتوا على ذلك ببرهان ؛ فأطلع الله على عجزهم عن ذلك بقوله تعالى : قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . وقال تعالى رادّاً على متّخذي الأصنام آلهةً من دونه : أرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَاواتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَآ أوْ أثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ . « 3 » والأثارة والأثرة راجعان

--> ( 1 ) - الآية 157 ، من السورة 37 : الصافّات . ( 2 ) - الآية 91 ، من السورة 6 : الأنعام . وتمام الآية : وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أنزَلَ اللهُ عَلَي بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أنزَلَ الْكِتَابَ الذي جَاءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ وقَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم ما لَمْ تَعْلَمُوا أنتُمْ وَلا ءابَآؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . ( 3 ) - الآية 4 ، من السورة 46 : الأحقاف .