السيد محمد حسين الطهراني
57
معرفة الإمام
جاء في « نهج البلاغة » : لمّا قُتِل الخوارج ، قيل له : يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! هَلَكَ القَوْمُ بِأجْمَعِهِمْ . فَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ : كَلَّا ! وَاللهِ إنَّهُمْ نُطَفٌ في أصْلَابِ الرِّجَالِ وَقَرارَاتِ النِّسَاءِ ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ ، قُطِعَ حتى يَكُونَ آخرُهُمْ لَصُوصاً سَلَّابِينَ . ( أي : يبلغ الخوارج من الوضاعة حدّاً أنّهم لا ينهضون من أجل الحكومة والرئاسة ولا يستندون إلى مذهب ، ولا يدعون إلى عقيدة ، شأنهم شأن اللصوص والأشرار وقطّاع الطرق ) . وقال عليه السلام فيهم : لَا تَقْتُلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي ! فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقَّ فَأخْطَأهُ كَمَنْ طَلَبَ البَاطِلَ فَأدْرَكَهُ . ( يعني معاوية وأصحابه ) . « 1 » وقال ابن أبي الحديد بعد أن ذكر أشخاصاً كثيرين من الخوارج ولدوا بعد أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يسلكوا طريق أسلافهم ، بل كان همّهم إخافة السبيل والفساد في الأرض ، واكتساب الأموال من غير حلّها ؛ ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام : إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء : عكرمة مولى ابن عبّاس ، ومالك بن أنَس الأصبَحي الفقيه . « 2 » يروي عنه أنّه كان يذكر
--> ( 1 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 59 ، ص 107 و 108 ، طبعة مصر مع تعليقة محمّد عبده . ( 2 ) - ذكرنا ترجمة عكرمة مولى عبد الله بن عبّاس في الجزء الثالث من كتابنا هذا عند شرح آية التطهير ، في الدرس 40 إلى 45 . وعلمنا أنّه كان يرى رأي الخوارج . وذهب صاحب « تنقيح المقال » إلى هذا الرأي أيضاً في كتابه المذكور : ج 2 ، ص 256 . وأمّا مالك بن أنس الأصبحي صاحب كتاب « المُوَطّأ » وأحد أئمّة العامّة الأربعة ، فلم يلاحظ في كتاب ما أنّه خارجيّ . وله ترجمة في « روضات الجنّات » ص 583 ، الطبعة الحجريّة ، عدّه مؤلّف الكتاب فيها أوّل من ابتدع العمل بالرأي والقياس . ولد سنة 95 ه - ومات سنة 179 ه - وله من العمر 84 سنة . وكان يعيش في عصر الإمام الصادق عليه السلام . وأخذ منه الرواية والعلم . وكما ذكر العلّامة المجلسيّ في « بحار الأنوار » عن أبي نعيم ، فإنّ مالك بن أنس ، وشعبة بن الحجّاج ، وسفيان الثوريّ من الأئمّة الذين أخذوا العلم من الإمام . وقال غير أبي نعيم : إنّ مالكاً ، والشافعيّ ، والحسن بن صالح ، وأبا أيّوب السجستانيّ ، وعمر بن دينار ، وأحمد بن حنبل أخذوا العلم منه عليه السلام . وقال مالك بن أنس : مَا رَأتْ عَيْنٌ وَلَا سَمِعَتْ اذُنٌ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ أفْضَلَ مِنْ جَعْفَرٍ الصَّادِق عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضْلًا وَعِلْمَاً وَعِبَادَةً وَوَرَعَاً ، إلى آخر ما ذكره في أفضليّة الإمام صلوات الله عليه .