السيد محمد حسين الطهراني

113

معرفة الإمام

بمقتضاها . وعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وصيَّه أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يعرفه من العلوم . أي : علّمه تلك المعاني النوريّة والمدركات القدسيّة العالية التي أوحيت إليه صلى الله عليه وآله بواسطة أعظم مَلَك من ملائكة الله تعالى ، وهو جبرائيل أو الروح . وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ذلك في آخر الخطبة القاصعة ، فقال : وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ وَمَحَاسِنِ أخْلَاقِ العَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ . وَلَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أثَرَ امِّهِ . يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ . وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ « 1 » فَأرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي . وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ في الإسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَخَدِيجَةَ وَأنَا ثَالِثُهُما . أرَى نُورَ الوَحْيُ وَالرِّسَالَةِ ، وَأشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ . وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ علَيْهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ

--> ( 1 ) - حِراء بكسر الحاء جبل من جبال النور قرب مكّة المكرّمة . وفيه غار كان رسول الله يقضي أوقات عزلته وخلوته فيه قبل بعثته . تشرّفت مرّة بزيارة هذا الغار ، فوجدته غاراً عجيباً حقّاً من حيث الموقع والاختيار ، لأنّه وإن كان صغيراً لا يكفي إلّا لاثنين يصلّيان فيه ، وكان سقفه واطئاً ، بَيدَ أنّه يقع في قمّة أحد الجبال المتّصلة بعضها ببعض . وطريقه وعر جدّاً . وتقدّر المسافة بين سفح الجبل والقمّة التي يقع فيها الغار ساعة تقريباً . وإنّ القسم الثالث من أعلاه المتّصل بالغار وعر جدّاً . فلا له جادّة ولا طريق جبليّ . وما على المرء إلّا أن يسير على أحجار زلقة حتى يصل إليه . وما لم يذهب الإنسان ويراه بعينه ، فلا يمكنه أن يدرك عظمة رسول الله وجلالة مقامه وأمره إذ كان يترك الكعبة والمسجد الحرام ليبتعد عن المجتمع المكّيّ المسموم يومئذٍ ، فيقطع فرسخاً واحداً عن مكّة ، فيأتيه ليناجي ربّه الليالي والأيّام وحده .