السيد محمد حسين الطهراني
35
معرفة الإمام
وكان آخر ما يرجونه في زوال الدين ، وموت الدعوة المحقّة ، أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره ولا عقب له . فإنَّ المشركين كانوا يرون النبوّة حكومة ورئاسة في صورة النبوّة ، وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة . وكانوا يقولون : لو مات لانقطع أثره ، ومات ذكره ، وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة الذين مهما بلغ أمرهم من التعالي والتجبّر وركوب رقاب الناس ، فإنَّ ذكرهم يموت بموتهم ، وسننهم وقوانينهم الحاكمة بين الناس تدفن معهم في قبورهم إلّا أن يكون لهم ولد يحفظ من بعدهم الحكم والسلطنة والسنن . ومحمّد الذي لا عقب له على هذه السيرة ، سيموت دينه بموته أو قتله . ويشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى : إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ . « 1 » فقد كانت هذه الأشياء وأمثالها أماني تمكّن الرجاء من نفوسهم ، وتطمعهم في إطفاء نور الدين ، وتزيّن لأوهامهم أنَّ هذه الدعوة ليست إلّا أحدوثة ستقضى عليها المقادير ويعفو أثرها مرور الليالي والأيّام . لكنَّ ظهور الإسلام تدريجيّاً ، وانتشار صيته ، واعتلاء كلمته بالشوكة والقوّة قضي على هذه الأماني . ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يزعزعوا عزيمة النبيّ ، ويوقفوا همّته بالمال والجاه اللذين كانا يعرضانهما عليه . قوّة الإسلام وشوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب ، إلّا واحداً ، وهو أنَّ محمّداً صلّى الله عليه وآله مقطوع العقب ، لا ولد له يخلفه في أمره ، ويقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينيّة ، فستموت دعوته بموته . لأنه من البديهيّ أنَّ كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه ، وإن بلغ ما بلغ ، لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه ، وأنَّ أيّة سنّة من السنن الإلهيّة
--> ( 1 ) - الآية 3 ، من السورة 108 : الكوثر .