السيد محمد حسين الطهراني

32

معرفة الإمام

وحينئذٍ كيف يصرّح الله بحرمة هذه الأشياء الأربعة : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما اهلّ لغير الله به ، وهي تقع أكثر ولها أهميّة كبرى ، يصرّح بحرمتها من غير خوف يظهر بين الناس ، ويذكر أشياء غير مهمّة قلّما تطرأ على سبيل التقيّة ، ويحرّمها تدريجيّاً لئلّا يعرض الناس عن الدين ؟ وثالثاً : على فرض التسليم ، فإنَّ تشريع الأحكام وبالأخصّ تشريع بعضها ليس إكمالًا للدين . وفي هذا الفرض يجب أن يقال : اليوم أكملت لكم بعض دينكم وأتممت عليكم بعض نعمتي . ورابعاً : كيف خصّ الله يوم عرفة بتشريع عدد من أحكام المنخنقة والموقوذة فيه وسمّى بيان حرمتها إكمالًا للدين وإتماماً للنعمة ، مع تشريعه أحكاماً وقوانين كثيرة في أيّام أخرى ؟ هنا موضع تأمّل . ويمكن أن يقال : إنَّ المراد بإكمال الدين إكماله بسدّ باب التشريع بعد هذه الآية المبيّنة لتفصيل محرّمات الطعام ، فلم ينزل حكماً آخر ، ولذلك كمل الدين . وهنا يجب أن نقول : ما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول سورة المائدة ووفاة رسول الله ؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه الآية في سورة المائدة ؟ وبعد ذلك كلّه : ما معنى قوله تعالى : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا ؟ لأنَّ تقديره : ألْيَومَ رَضِيتُ . ولو كان المراد بهذه الآية الامتنان على الناس بما ذكر من محرّمات الطعام يوم عرفة ، فما وجه اختصاص هذا اليوم بأنَّ الله سبحانه وتعالى رضي فيه الإسلام ديناً ؟ لأنه لا أمر يختصّ به اليوم ممّا يناسب هذا الرضا . ويرد على هذا الاحتمال أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة .