السيد محمد حسين الطهراني
35
معرفة الإمام
وبلغ موسى عليه السلام مقام الكمال ، وأصبح من أنبياء اولي العزم ، ومن أصحاب الشريعة والكتاب بعد اختبارات عسيرة شاقّة في الدعوة مع الأسباط في مقابل الأقباط ، ومواجهة فرعون مصر ، والنزوح إلى فلسطين ، وقضاء الأسباط أربعين سنة في التيه ، والذهاب إلى جبل الطور جائعاً ظامئاً أربعين ليلة لمناجاة الله ، وتحمّل آثار العظمة والجلال الإلهيّ . وكان الرسول الأكرم محمَّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحيداً غريباً في مكّة أربعين سنة بحيث إنّه كان مرغماً على ترك بيت الله الحرام - مع أنه كان من أهل مكّة مجاوراً لبيت الله - للاختلاء مع الله في جبل النور في غَارِ حرَاء . ذلك الغار الذي كان على سفح الجبل . وكان الذهاب إلى ذلك المكان شاقّاً وخطيراً جدّاً . وكان يقيم في ذلك الغار وحده أيّاماً أو اسبوعاً أو أسبوعين أو أكثر . ولا يخامرنا الشكّ - طبعاً - أنّ جوهرة وجود أولئك الرجال العظام تتفوّق وتمتاز عن الآخرين ، كما أنّ الناس العاديّين يتباينون في الخلق من حيث الصفات والغرائز والملكات . وكذلك يتباينون من حيث الجهات الطبيعيّة كالطول والحجم واللون والشمائل المتنوّعة . إلّا أنّ هذا التباين لا يجعلهم في صفٍّ مستقلّ متميّز من حيث التكليف والعصمة الاختياريّة . فالجميع ينبغي أن يكدحوا إلى الكمال ، ويبلغوا غايتهم المنشودة ، وذلك بطاعة أمر الله ، وقبول التوحيد ، وبالمجاهدة والكدّ والسعي في طيّ الطريق إلى الله . النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ . « 1 »
--> ( 1 ) - جاء في « إحياء العلوم » ج 1 ، ص 6 : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ، فَخِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا . وكذلك جاءت هذه العبارة نفسها عن رسول الله في « جامع السعادات » طبعة النجف ، ج 1 ، ص 24 بدون قيد « إذَا فَقِهُوا » .