السيد محمد حسين الطهراني

34

معرفة الإمام

لذلك ما برحوا يبلغون بقواهم واستعداداتهم تدريجيّاً إلى مقام الفعليّة ؛ ثمّ يبلغون بتلك الفعليّة ( التي هي القوّة والاستعداد بالقياس إلى الدرجة العليا ) ، إثر الإرادة والاختيار وقبول أمر الله إلى فعليّة أعلى ودرجة أسمى وهكذا يواصلون طريقهم باستمرار وتدريجيّاً فيبلغون بكلّ قوّة من القوى المودعة فيهم إلى الكمال النسبيّ ، ثمّ إلى الكمال المطلق ، حتّى يصل وجودهم إلى الكمال المطلق ، فيظفروا بمقام الإنسان الكامل . وهذه المناصب والدرجات جاءت من الطريق الذي انتهجوه باختيارهم ، ومن المقام الذي بلغوه بطوعهم ورغبتهم وإرادتهم ورضاهم . وبلغ إبراهيم الخليل عليه السلام مقام الإمامة الذي منّ الله به عليه ، وذلك بعد حيازة مقام النبوّة ، وتحطيم الأصنام في معبد الأصنام ببابل ، وإلقائه في النار ، ومعارضته للنمرود والنمروديّين ، وإبعاده من بابل إلى فلسطين ، واضطلاعه بأعباء النبوّة في تلك الربوع ، وبعد أن تعرّض إلى امتحانات وابتلاءات عديدة وبسبب صبره وتحمّله مع زوجته سارة بلا ولد يؤنسهما ، ثمّ منّ الله عليه بالولد ، وبعد بناء الكعبة مع نجله البارّ إسماعيل ، وتَرك زوجته هاجر وولده إسماعيل وحيدين في أرض مكّة الحارّة الكأداء القفر غير ذات زرع ، وبعد البلاء الذي مرّ به متمثّلًا بأمره بذبح ولده الرشيد إسماعيل عَلَم التوحيد ، وتقديم إسماعيل على مذبح المحبوب . وصفوة القول بعد أربعة وعشرين اختباراً نجح في اجتيازها . وكان صلوات الله عليه في سنّ الشيخوخة والهرم إذ كان شعره الأبيض يتدلّى من رأسه ووجهه . قال عزّ من قائل : وَإذِ ابْتَلَى إبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا . « 1 »

--> ( 1 ) - الآية 124 ، من السورة 2 : البقرة .