السيد محمد حسين الطهراني

33

معرفة الإمام

وتقديم رضا الله على رضا النفس ، والصبر وتحمّل الأذى في طريق الوصول إلى المطلوب سبحانه وتعالى . وبهمّة عالية وعزم وطيد وإرادة صلبة لا تلين . وأن يقطعوا المنازل والمراحل المقرّرة في طريق القرب ، ولقاء الذات الأحديّة ، والفناء في ذاته المقدّسة ، والبقاء بالله بعد حصول مقام الفناء ، ويطووا هذا الطريق باختيارهم وإرادتهم . إنّ الاختيار الربّانيّ ، والارتضاء والاصطفاء والاجتباء في عوالم الغيب وعالم الذرّ والمثال وفي العوالم النوريّة والمجرّدة والبسيطة في بدء الخليقة لا يؤدّي إلى سلب اختيارهم وإرادتهم ، بل يؤيّد ويسدّد ويدعم الاختيار والإرادة . ذلك لأنّ الله شاء أن يبعث هؤلاء الأشخاص المطهّرين والمصطفين لتبليغ رسالته وهداية عباده ، وهم يقطعون هذا الطريق ويسيرون في هذا الاتّجاه باختيارهم وقبولهم عبر حبّهم لمعبودهم . فكيف يمكن - والحال هذه - أن نتصوّر أنهم يؤدّون ما عليهم من تكليف مكرهين بعصمة اضطراريّة وجبريّة بإرادة الله ، وليس ذلك إلّا خُلفاً « 1 » ، والخُلف يستلزم تغيير الإرادة الإلهيّة ، وهو محال . ولقد شاء الله أن يقوموا بالأعمال الصالحة الطاهرة من وحي اختيارهم ، ويجتنبوا المعاصي والمحرّمات من وحي اختيارهم أيضاً . فلو كانت إرادة الله سبباً في سلب اختيارهم ، وكانت طهارتهم وعصمتهم بشكل إجباريّ وقسريّ ، فإنّ ذلك يستدعي اختلاف الإرادة عن المراد ، وهو محال . فالأنبياء والمرسلون - إذاً - مختارون كسائر الناس ، وينتهجون طريقهم بإرادتهم واختيارهم . ويقومون بطائفة من الأعمال ، ويتركون طائفة أخرى .

--> ( 1 ) - خلفاً : يعني حمق وقلة عقل .